الديرة - الرمادي
وسط أخطر اضطراب تتعرض له طرق تصدير النفط العراقي منذ سنوات، بدأت خريطة جديدة لتجارة الخام تتشكل في الخليج، بعدما دخلت شركة بترول أبوظبي الوطنية “أدنوك” بقوة على خط نقل وتسويق النفط العراقي عبر مضيق هرمز، مستفيدة من خصومات استثنائية قدمتها بغداد للمشترين المستعدين لتحمل مخاطر المرور في الممر البحري المضطرب.
وبحسب وثيقة لشركة تسويق النفط العراقية “سومو” اطلع عليها تلفزيون "الديرة"، عرض العراق شحنات خام البصرة المتوسطة المقرر تحميلها خلال الشهر الجاري بخصومات تتراوح بين 25 و27 دولارا للبرميل عن المؤشرات المرجعية، فيما وصلت التخفيضات على خام البصرة الثقيل إلى ما بين 27.8 و29.8 دولاراً للبرميل.
وتمثل تلك الأسعار تخفيضا استثنائيا فرضته أزمة الملاحة في مضيق هرمز، إذ يحجم كثير من مالكي الناقلات عن إرسال سفنهم إلى موانئ البصرة بسبب مخاطر الهجمات وارتفاع كلفة التأمين والشحن.
وتكشف أرقام سوق النقل حجم المخاطرة؛ إذ دفعت شركة “ريلاينس” الهندية ما بين 23 و25 مليون دولار لاستئجار ناقلة عملاقة قادرة على حمل نحو مليوني برميل من الخام العراقي، مقابل نحو مليوني دولار للرحلة المماثلة قبل الحرب. ومع ذلك، قالت مصادر تجارية إن الخصم العراقي الكبير يجعل الصفقة مجدية اقتصاديا حتى بعد دفع كلفة الشحن القياسية.
وفي تطور لافت، عرضت “أدنوك” استخدام منظومة الناقلات التي طورتها لعبور هرمز في نقل الخام العراقي إلى المشترين، ولا سيما في آسيا، مستخدمة رحلات قصيرة عبر المضيق يعقبها، في بعض الحالات، نقل الحمولة إلى سفن أخرى خارج الخليج.
وأكد المدير العام لشركة “سومو” علي نزار الشطري وجود علاقة تجارية مع الشركة الإماراتية، قائلاً إن “أدنوك واحدة من المشترين الذين تتعامل معهم سومو”، وإن الشركة العراقية تبيع النفط إلى جهات قادرة على تحميله ونقله عبر مضيق هرمز.
وبحسب معلومات تجارية نُقلت عن بلومبرغ، عرضت أدنوك بالفعل شحنات من خام البصرة وخامات عراقية أخرى على مشترين آسيويين، بينهم مصافٍ هندية، مستفيدة من أسطولها ومن خبرتها التي اكتسبتها خلال الأشهر الماضية في تشغيل ما يشبه “الجسر البحري” عبر هرمز.
ولا يعني ذلك، وفق المعلومات المتاحة، وجود عقد حكومي عراقي معلن يمنح أدنوك مهمة نقل صادرات العراق. فالنموذج القائم يعتمد أساساً على بيع “سومو” الخام وفق شروط تحميل تجعل مسؤولية النقل ومخاطره على المشتري أو الشركة التجارية.
لكن الفارق الكبير بين السعر العراقي المخفض والقيمة التي يمكن بيع الخام بها بعد اجتياز المضيق يوفر هامشا تجاريا مهماً للشركات القادرة على توفير الناقلات وتحمل المخاطرة. وهذه هي النقطة التي منحت أدنوك، إلى جانب شركات مثل “فيتول” وذراع التداول التابعة لـ”توتال إنرجيز”، فرصة للدخول بقوة إلى سوق الخام العراقي.
وقد عرضت “توتسا”، ذراع التداول التابعة لتوتال إنرجيز، هذا الأسبوع خام البصرة المتوسط للتحميل خارج مضيق هرمز بعلاوة قاربت عشرة دولارات فوق أسعار دبي، في مؤشر على مقدار القيمة التي يكتسبها النفط العراقي بمجرد نقله إلى الجانب الآمن من المضيق.
وتزامنت هذه التحركات مع تحسن ملحوظ في الصادرات العراقية. وقال وزير النفط باسم محمد خضير، أمس الجمعة، إن متوسط صادرات العراق منذ بداية آب ارتفع إلى نحو مليوني برميل يوميا، بإجمالي يقارب 26 مليون برميل حتى موعد تصريحه، وهو أعلى معدل يسجله العراق منذ اندلاع أزمة هرمز.
وأكد الوزير وجود أربع ناقلات تحمل الخام العراقي حاليا، فيما بلغت صادرات تموز نحو 49 مليون برميل. وقبل الحرب كان العراق يصدر قرابة 3.4 مليون برميل يوميا عبر المنافذ الجنوبية.
كما أظهرت بيانات ملاحية أن صادرات العراق تضاعفت تقريباً خلال تموز مقارنة بحزيران، مستفيدة من زيادة عدد الناقلات العملاقة التي تمكنت من تحميل النفط من البصرة واجتياز المضيق.
لكن نجاح نموذج النقل الإماراتي جاء بثمن أمني متزايد.
ففي مساء الخميس 13 آب، أعلنت الإمارات تعرض سفينتين تابعتين لأدنوك لهجوم أثناء مرورهما في مضيق هرمز، وقالت أبوظبي إن إيران تقف خلف الهجوم، ووصفت الخارجية الإماراتية العملية بأنها اعتداء إيراني يهدد حرية الملاحة وأمن الطاقة العالمي. ولم تقع إصابات، بحسب البيانات الرسمية.
ثم أعلنت أدنوك صباح اليوم السبت عن هجوم جديد استهدف إحدى سفنها يوم الجمعة 14 آب أثناء عبورها المضيق، من دون وقوع إصابات، ليصبح الحادث الثالث الذي تتعرض له سفن مرتبطة بالشركة خلال أقل من أسبوع.
ولم تحدد البيانات الإماراتية وأدنوك والتقارير الملاحية المنشورة حتى الآن حمولة السفينة التي هوجمت في 14 آب، لكن بعض المواقع الإخبارية تشير إلى أن السفينة كانت تحمل خاما عراقيا.
وتكشف هذه التطورات عن معادلة استثنائية فرضتها أزمة هرمز على العراق: بدلا من تحمل الدولة مباشرة كلفة الشحن والتأمين والمخاطر، خفضت “سومو” سعر البرميل بصورة حادة كي تجعل الخام جذابا للشركات المستعدة لخوض رحلة المضيق.