الديرة - الرمادي
في كل منطقة، وفي كل شارع، وكل بيت تقريباً، ستجد شخصاً كريماً إلى حّد يُدهشك. يعطي دون حساب، يساعد دون أن يُطلب منه، ويشعر وكأن وجوده مرتبط بأن يخفّف عن الآخرين.
مشكلة هذا الطيب أنه يكون دائماً حاضراً للشخص الخطأ، أو في الوقت الخطأ، أو بالطريقة الخطأ. يعطي أكثر مما يُطلب، فيتحول العطاء إلى عبء بدل أن يكون جسراً.
لكن هذه المرة، حصل شيء مختلف.
يقول صاحب تكسي يعمل بين بغداد والأنبار إنه التقى رجلاً من الأنبار، رجل بسيط وهادئ، لا شيء فيه يلفت النظر إلا ذلك الإحساس الثقيل بالطيبة. هذا الرجل كان يتصفح سوقاً مفتوحاً لبيع الأغراض المستعملة، فرأى طقم قنفات بسعر زهيد، وثلاجة بسعر أقل مما يُتوقع.
تواصل مع أصحاب الإعلان، فكانت المفاجأة أن الرقم يعود لامرأة من بغداد. تحدث معها بهدوء عن الأغراض، ثم حاول أن يكون ذكياً قليلاً كما، فبدأ يساوم على السعر ليخفضه.
فأجابته المرأة بصوت متعب:
من الحاجة أبيعها، لو كان عندي خيار ما بعتها.
توقف الرجل. لم يُكمل المساومة. وافق على السعر مباشرة، وأخذ العنوان.
أرسل صاحب التكسي ليأخذ المبلغ ويوصله إليها. لكن عندما وصل، أعطاها المال فقط، ولم يأخذ شيئاً. لم يخبره الرجل أن هناك ثلاجة وطقم قنفات، لأن السيارة أصلاً لا تتسع لذلك.
لاحقاً، اكتشف السائق أن الرجل لم يكن يشتري لنفسه أصلاً، بل دفع المبلغ كاملًا كأنه هدية، دون أن يرى الأغراض أو حتى يضمن شيئاً.
عندما استلمت المرأة المال، صُدمت. اتصلت به لتشكره، وبكت كثيراً وهي لا تصدق ما حدث.
يقول السائق: سألتها بدهشة:
ألم تسمعي بكرم أهل الأنبار؟ هذا هو.
لم يكن ذلك الرجل سوى ابن الأنبار الذي يشبه أرضه: يعطي كأنه لا يعرف معنى الاحتفاظ، ويغادر الأشياء كما لو أن الكرم هو طريقه الوحيد للعودة إلى نفسه.