آخر الأخبار


خطة العراق البديلة لتأمين رواتب الموظفين

  • A+
  • A-

 الديرة - الرمادي


عندما أُغلق مضيق هرمز أمام ناقلات النفط العراقية، لم يكن أحد في بغداد بحاجة إلى تقرير استخباراتي ليدرك حجم الكارثة. توقفت الصادرات من موانئ البصرة فجأة، وانكمش إنتاج الحقول الجنوبية من أكثر من ثلاثة ملايين برميل يوميًا إلى أقل من تسعمائة ألف. بدأت الخزينة الاتحادية تنزف، وراحت الأسواق العالمية تتساءل: أين الخطة “ب”؟

كان الجواب صادمًا في بساطته: لا توجد.

هذا الوضع يهدد رواتب وأرزاق ملايين العراقيين، لكن الحل في الأنبار.

على مدى عقود، اعتمد العراق على منفذ بحري واحد في الجنوب، يُدار عبر أنابيب وموانئ مكشوفة لكل ريح إقليمية. أعادت الحرب تذكيرنا بدرس قديم: الاقتصاد الذي لا يملك بدائل متعددة هو اقتصاد يمشي على ساق واحدة. لكن الدرس لم يكن تأملًا فلسفيًا فحسب، بل دعوة عملية للنظر غربًا، إلى محافظة الأنبار، حيث تتقاطع ثلاثة منافذ حدودية مع ثلاث دول، يشكّل كل منها بوابة إلى جزء مختلف من خريطة العالم.

أولى هذه البوابات منفذ الوليد مع سوريا. لم يكن يومًا مجرد معبر بري، بل ممرًا تاريخيًا عبر الصحراء نحو البحر المتوسط. في نهاية آذار 2026، وبعد سنوات من الإغلاق، أُعيد تشغيله بصورة منظمة. خمسمائة صهريج نفط يوميًا انطلقت نحو ميناء بانياس السوري. لم يكن الأمر معجزة، بل نتيجة حسابات دقيقة: اتفاقيات ثنائية، تأمين للطريق، وإجراءات جمركية مبسطة. خلال أقل من أسبوعين، أصبح الوليد نموذجًا حيًا لما يمكن أن يفعله منفذ حدودي واحد حين يُدار بذكاء.

ثاني البوابات هو منفذ طريبيل مع الأردن. هنا لا ينتهي الطريق عند الحدود، بل يمتد إلى العقبة على البحر الأحمر، ومنها إلى أسواق أوروبا وشرق آسيا عبر ممرات بحرية بديلة عن الخليج. يشكّل الأردن حلقة وصل استراتيجية بين العراق والعالم الخارجي في أوقات الاضطراب. المنفذ جاهز فنيًا، لكنه ينتظر ما حصل عليه الوليد: خطة متكاملة تشمل توسعة الطريق، إنشاء مناطق لوجستية، واتفاقيات نقل بري مشتركة، تتيح تصدير مئات الآلاف من البراميل يوميًا دون المرور عبر مضيق هرمز.

أما البوابة الثالثة، منفذ عرعر مع السعودية، فهي الأكثر رمزية. أُعيد فتحه قبل سنوات بعد عقود من الإغلاق، لكنه ظل يُدار بمنطق السلام الحذر لا بمنطق الفرصة الاستراتيجية. السعودية ليست مجرد دولة مجاورة، بل مدخل إلى سوق الخليج، وإلى شبكة طرق برية تربط العراق بآسيا الوسطى والشرق الأقصى، إضافة إلى موانئ البحر الأحمر التي باتت بديلًا واقعيًا عن الخليج. إذا طُبق عليه النموذج نفسه الذي نجح في الوليد — من أمن مشترك، وبنية تحتية حديثة، وتسهيلات جمركية — يمكن أن يتحول عرعر من معبر عادي إلى شريان حيوي.

الأمر لا يحتاج إلى خيال واسع، بل إلى إرادة منظمة. الخطوات واضحة كمعادلة: أولًا، تقييم القدرة اللوجستية لكل منفذ. ثانيًا، تخصيص ميزانية طارئة للتوسعة والتأمين. ثالثًا، توقيع اتفاقيات ثلاثية بين العراق والدول المجاورة وشركات النقل العالمية. رابعًا، ربط المنافذ بشبكة سكك حديدية وأنابيب مستقبلية. كل ذلك يمكن أن يبدأ اليوم، مستفيدًا من الزخم الذي خلّفته الأزمة نفسها.

لم تعد الأنبار مجرد صحراء حدودية، بل أصبحت المفتاح الذي كان العراق يبحث عنه في الظلام. حين تتوقف ناقلة في البحر، يتحرك صهريج على البر. وحين يُغلق مضيق، تُفتح ثلاث بوابات. الدرس ليس في الندم على ما فات، بل في استثمار ما هو قائم. فالمستقبل لا يرحم الدول التي تنام على منفذ واحد، ولا يغفر لمن يملك ثلاثة ولا يستخدمها.