الديرة - الرمادي
منذ زمن ليس بالقصير، لم يشهد العراق لحظة جامعة كالتي عاشها بالأمس. لم يكن الأمر مجرد إنجاز رياضي عابر، ولا فرحة تنقضي بانتهاء الحدث، بل كان مشهداً كثيف الدلالة، يكشف في عمقه حقيقة طال اختبارها: أن هذا البلد، على كل ما مرّ به، ما يزال قادراً على أن يفرح كجسد واحد.
لم يكن اللافت في تلك اللحظة التأهل بحد ذاته، بل ما رافقه من مشهد شعبي نادر الصفاء؛ إذ خرج العراقي، أياً كان انتماؤه، حاملاً علم بلاده بوصفه تعبيراً فطرياً عن الهوية. هنا لم يكن العلم مجرد راية، بل ذاكرة حيّة، ولم يكن لوناً، بل معنى متجذراً في الوجدان.
غير أن هذا الصفاء لم يخلُ من تساؤلات أعمق: كيف تحوّل الانتماء، في نظر البعض، إلى موضع شك؟ وكيف أصبح رفع العلم فعلاً يستدعي التفسير، وربما الاتهام؟ أهي مفارقة زمن، أم نتيجة تراكمات حاولت، عبر سنوات، إعادة تعريف العلاقة بين المواطن ووطنه؟
خلال السنوات الماضية، برزت محاولات — واعية أو غير واعية — لإعادة تشكيل مفهوم الانتماء، لا على أساس الوطن الجامع، بل وفق مقاييس ضيقة تُلزم الفرد بأن ينتمي إلى ما تؤمن به، أو تُخرجه من دائرة الوطنية. وهي محاولات لا تعكس قوة الفكرة بقدر ما تكشف هشاشتها؛ إذ لا يمكن فرض الانتماء ولا مصادرته.
في المقابل، تبرز حقيقة واضحة: من أراد أن ينتمي إلى غير هذا الوطن، فالعالم واسع، أما من اختار العراق، فإن اختياره لا يُقاس بمدى مطابقته لآراء الآخرين، بل بصدق علاقته بهذه الأرض. الاختلاف هنا لا يُدان، لكنه لا يجوز أن يتحول إلى أداة لمصادرة مشاعر الآخرين أو التشكيك فيها.
لقد شهد العراق محاولات متعددة — دينية وسياسية واجتماعية — لإعادة صياغة مفهوم الدولة، لكن الامتحان الحقيقي كان دائماً يظهر في لحظات كهذه؛ حين يخرج العراقي إلى الشارع حاملاً علمه، غير عابئ بكل تلك التنظيرات. هناك، في الشارع، تُحسم معادلات تعجز الخطابات عن حسمها.
ما جرى بالأمس لم يكن حدثاً عابراً، بل تذكيراً صريحاً بأن الانتماء ليس فكرة تُمحى بقرار، ولا شعوراً يُلغى بحملة، بل هو تراكم تاريخي ووجدان جمعي يتجدد كلما سنحت له فرصة للظهور.
أما الأصوات التي حاولت أن تعاكس هذا المشهد، فهي — في ميزان الواقع — أقل حضوراً مما تبدو عليه؛ إذ يتضخم صداها في فضاءات التواصل بما يفوق حجمها الحقيقي في الشارع. إنها إحدى مفارقات هذا العصر، حيث يُمنح الهامش أحياناً ضجيجاً يوحي بأنه المتن.
في النهاية، يبقى المشهد الأصدق: عراقٌ يتوحد في لحظة فرح، ويستعيد، ولو مؤقتاً، صورته التي لا يختلف عليها أبناؤه.