الديرة - الرمادي
لكل وطن جغرافيتان: جغرافيا الأرض، وجغرافيا الروح. جغرافية أرض العراق، نهر وعد وخزان. وجغرافية روحه، كتاب ومصنع. كلتا الجغرافيتين في يد حزب تقدم الآن. مسؤولية من العيار الثقيل، لكنها أيضاً فرصة من العيار النادر. فرصة لإعادة تعريف الدولة من أساسها: دولة تبدأ من إصلاح الذهن واليد، لا من دهاليز الصفقات. إنها لحظة تستحق أن تُسمى تقدم.
صّوت مجلس النواب على اختيار محمد نوري وعبد الكريم عبطان لإدارة دفتي وزارتين ليستا ككل الوزارات. إنهما التربية والصناعة: العقل واليد.
لسنا هنا أمام تسلّم حقيبتين وزاريتين، بل أمام مفترق طرق وجودي. فالتربية هي مصنع الروح، والصناعة هي مختبر الجسد. وحين يضعف المصنع ويتعطل المختبر، لا تسقط الحكومات وحدها، بل تسقط فكرة الدولة من أساسها.
لقد بكى العراق طويلاً على أطلال سمعة فقدها. كان بلداً يُشار إليه بالبنان، لا كمصدّر للنفط فحسب، بل كمصدر للجهد الهندسي، وللمعلّم الفذّ الذي تتهافت عليه مدارس الخليج، وللمهندس الذي خطّط لنهضة اليابان في السبعينيات. كيف خسرنا هذه السمعة؟ خسرناها حين أصبح الدرس التعليمي حصة لا رسالة، وحين تحول المعمل إلى مخزن لخردة الحديد الصدئ، لا خلية نحل للإنتاج.
ما فعله حزب تقدم بقبول هذه المهمة هو أقرب إلى انقلاب أبيض على منطق المحاصصة. فبدلاً من طلب الوزارات الريعية التي تدر المال والنفوذ، ذهبوا إلى الجبهة الأكثر خطراً والأشد جفافاً. هذه ليست وزارات سيادية بالمفهوم البروتوكولي، ولكنها وزارات سيادة حقيقية: لأن من يملك القدرة على تشكيل عقل اليافع العراقي وتشغيل كف العامل العراقي، هو من يملك مستقبل البلاد،
الرهان من اليوم ليس إدارياً. إنه رهان استراتيجي من العيار الثقيل. فالثورة الحقيقية لإعادة التدريس لا تُبنى بالمناهج وحدها، بل بإعادة هيبة المعلم المهدورة، وتحويل المدرسة من ثكنة للحفظ إلى مساحة للسؤال والابتكار. وبالمقابل، الثورة الصناعية لن تأتي من استيراد خطوط إنتاج بمليارات الدولارات، بل من حماية المنتج المحلي، وإشعال غريزة الصانع الكامنة في أعماق العراقي الذي ورث الحرفة من سومر وآشور وبابل.
إنها عودة الأنهار إلى مجاريها. ماء التربية ليُروي ظمأ الجيل الضائع، وطين الصناعة ليُشكّل منه تمثال كرامة جديد.
التحدي بدأ، والوقت ليس محايداً.
كل التوفيق للوزيرين في مهمتهما القادمة.