آخر الأخبار


الأنبار تفعّل خطة استغلال الفرص الضائعة.. الدبوس يطلق مشروع "طريق الحرير الجديد"

  • A+
  • A-

 الديرة - الرمادي


ليس غريباً على من يسافر في الطريق الممتد غرب العراق، ماراً عبر الصحراء التي تحيط بمدينة الرمادي، أن يشعر بشيء من الأسف، فذلك الطريق الطويل لا يثير في ذهن المسافر سؤال المسافة فحسب، بل يثير سؤال الفرص الضائعة أيضاً هناك، في تلك المساحات الصحراوية المترامية، يكتشف المرء أن الجغرافيا العراقية ظلت لسنوات طويلة تُعامل كفراغ، لا مكان او امكان.

ولعل المفارقة التي يلاحظها المسافر العراقي أن هذه الأراضي لم تكن يوماً فقيرة في المعنى، لكنها ظلت فقيرة في الفكرة، فالحكومات المتعاقبة على اختلاف عهودها، لم تنظر إلى هذه الجغرافيا بوصفها رصيداً استثمارياً يمكن أن يضيف إلى ثروة البلاد، بل تركتها تمتد بصمتٍ طويل، كأنها خارج حسابات التنمية، وفي بلد مثل العراق، الذي ظل يعتمد في اقتصاده على مورد واحد هو النفط، كان من الطبيعي أن يتكرر السؤال: كيف لبلد واسع المساحة أن يبقى أسير ثروة واحدة في باطن الأرض، بينما تتجاهل أعينه ما فوقها؟

من هنا تبرز أهمية مشروع طريق الحج البري الجديد، لا باعتباره طريقاً فحسب، بل باعتباره فكرة مختلفة في قراءة الجغرافيا العراقية، فهذا الطريق لا يضيف مجرد مسافة معبّدة إلى شبكة الطرق، بل يعيد توظيف الجغرافيا الغربية للعراق بطريقة أكثر كفاءة، فهو يختصر المسافة المؤدية إلى منفذ عرعر الحدودي بنحو مئة وخمسة عشر كيلومتراً، وهو اختصار قد يبدو رقماً بسيطاً في الحسابات الجغرافية، لكنه في حسابات الاقتصاد والنقل يحمل معنى أكبر بكثير، ما يجعله طريقا جديد للحرير، بمعناه الاقتصادي الواسع.

ففي عالم التجارة الدولية لا يُقاس الطريق بطوله فقط، بل بما يوفره من وقت وكلفة، وكل كيلومتر يُختصر على طرق التجارة يعني انخفاضاً في كلف النقل، وتسارعًا في تدفق البضائع، واتساعًا في حركة الأسواق، ولهذا فإن الطريق الجديد يفتح نافذة عملية لربط الأسواق العراقية بأسواق المملكة العربية السعودية وبقية دول الخليج عبر ممر بري مباشر وأكثر كفاءة.

غير أن لهذا الطريق بعداً آخر يتجاوز الاقتصاد إلى المجتمع والدين معاً، فهو يشكل ممراً أكثر انسيابية لقوافل الحجاج والمعتمرين العراقيين المتجهين إلى الديار المقدسة، الأمر الذي يمنح طريق الحج البري بعداً إنسانياً وتنظيمياً أكثر استقراراً، فالحج في جوهره ليس مجرد رحلة دينية، بل حركة بشرية ضخمة تحتاج إلى طرق آمنة ومنظمة تليق بحجمها ومعناها.

ولأن الطريق يمر في أراض غير مأهولة، فإن هذه الحقيقة التي بدت طويلاً وكأنها عائق يمكن أن تتحول إلى ميزة استراتيجية، فالمساحات المفتوحة على جانبي الطريق تتيح إمكانية التخطيط لمشاريع واسعة: مدن صناعية تستثمر موقع الطريق التجاري، ومناطق لوجستية مخصصة لحركة الشاحنات، ومحطات استراحة حديثة لقوافل الحجاج، بل وحتى مشاريع زراعية تعتمد تقنيات الزراعة الصحراوية.

ولا يقتصر الأمر على الاقتصاد التقليدي فحسب، إذ يمكن إطلاق مشاريع سياحية ورياضية قادرة على جذب اهتمام المنطقة، فمدينة رياضية متكاملة تضم ملعباً كبيراً قادراً على استضافة الفعاليات الرياضية لدول الجوار في مجلس التعاون لدول الخليج العربية، إلى جانب مضمار للخيل يعكس تقاليد الفروسية العربية، يمكن أن تفتح باباً جديدًا للسياحة الرياضية في تلك المنطقة من العراق.

وهكذا يصبح الطريق أكثر من طريق. يصبح بداية لفكرة أوسع، وهي إن العراق ليس مجرد بلد نفط، بل بلد جغرافيا أيضاً، وإن الصحراء التي بدت لسنوات طويلة فراغاً يمكن أن تتحول، إذا ما أُحسن التفكير فيها، إلى مساحة جديدة للثروة والتنمية.

فالدول لا تصنع ثروتها مما في باطن الأرض وحده، بل مما تعرف كيف تفعله بما فوقها، وفي لحظة ما قد يتحول طريق واحد إلى بداية قصة مختلفة لاقتصاد بلد بأكمله.

هذا ما يدور في ذهن المخططين لمستقبل الأنبار، تحت إدارة وتوجيه مباشرين من الرئيس محمد الحلبوسي، الذي وضع على عاتق المحافظ عمر مشعان الدبوس مهمة إحياء الصحراء بهذا المشروع الاستراتيجي العملاق.