آخر الأخبار


الخوف من "حاميها"

  • A+
  • A-

 الديرة - الرمادي


الفيديو الذي انتشر لسائقي سيارات الحمل وهم يدخلون إلى كشك داخل سيطرة حديثة الإنشاء "ديالى"، كان مشهداً يختصر أزمة بلد بأكمله. رجال يدخلون ليدفعوا المال كي تمر بضائعهم امام شرطة واقفة تطبق عملها باسم الدولة، والمشهد الأكثر قسوة مثلته سيارة الشرطة الواقفة قرب الحاجز، تلك السيارة التي تحولت في وعي الناس إلى علامة استفهام كبرى: هل ترى ما يحدث؟ هل تشارك فيه؟ أم أنها بدورها لم تعد تعرف حدود دورها الحقيقي؟

هنا تبدأ الكارثة الحقيقية. لأن انهيار الدولة لا يبدأ بسقوط الجدران، بل يبدأ حين يفقد المواطن القدرة على التمييز بين الدولة واللادولة. حين يصبح رجل الأمن شخصية مبتزة، وحين يتحول الزي الرسمي من رمز طمأنينة إلى مصدر قلق، تكون البلاد قد دخلت أخطر مراحل التآكل الصامت.

إن الشعوب يمكن أن تتحمل الفقر، وتتحمل الأزمات السياسية، وحتى اضطراب الخدمات، لكنها لا تستطيع العيش طويلاً داخل ضباب لا تعرف فيه من يحكمها فعلاً. فالدولة ليست علماً فوق بناية،بل شعور عام بالوضوح والثقة. وحين تضيع هذه الثقة، يصبح المواطن غريباً داخل وطنه، يمرّ عبر السيطرات وهو لا يعرف إن كان يعبر تحت سلطة القانون أم تحت رحمة المزاج والمصلحة والخوف.

ولهذا، فإن السؤال الذي يتردد اليوم في الشارع العراقي ليس سؤال احتجاج فقط، بل سؤال وجود: من هي الدولة التي تحكم فعلاً؟ لأن أخطر ما يمكن أن تصل إليه الدول هو أن يعيش الناس داخل حدود بلد لا يستطيعون تعريف وجه السلطة فيه، ولا فهم اليد التي تدير المشهد من خلف الحواجز والكبائن والسيارات الرسمية.

في الدول التي تعرف نفسها، لا يحتاج المواطن إلى أن يسأل: من يحكم؟ لأن الدولة هناك تُعرّف نفسها عبر القانون، وتُثبت وجودها عبر هيبتها، وتُقنع الناس بشرعيتها من خلال وضوح مؤسساتها. أما نحن فقد وصلنا الى مرحلة يتوقف فيها الإنسان أمام حاجز أمني وهو لا يعرف إن كان هذا الحاجز امتداداً للدولة أم سيطرة للابتزاز..

في العراق اليوم، المواطن لا يعرف إن كان الشرطي الذي يرفع يده لتنظيم المرور يمثل القانون، أم يمثل خوفه الشخصي، أم يقف مجرد موظف تائه داخل منظومة أكبر منه. ولا يعرف إن كان الحاجز الأمني قد وُضع لحماية الطريق، أم لتحويل الطريق إلى سوق صغيرة للابتزاز اليومي. الأخطر من ذلك كله أن الدولة نفسها تبدو أحياناً وكأنها عاجزة عن تعريف أجهزتها أمام الناس.