آخر الأخبار


حين تتسع دائرة الصراع.. من الذي سيتخذ قرار العراق؟

  • A+
  • A-

 الديرة - الرمادي


منذ أن بدأت اسرائيل والولايات المتحدة عملياتهما العسكرية ضد إيران، بدا واضحاً أن طبيعة هذه الحرب ليست تقليدية بالمعنى الذي عرفته الجيوش في القرن العشرين.

لم نرَ أرتال دبابات تتقدم، ولم نسمع عن معارك واسعة بين جيوش نظامية.

المشهد أقرب إلى شكل جديد من الصراعات:

حرب أعصاب، حرب صواريخ، حرب مسيّرات، ورسائل استراتيجية متبادلة.

واللافت أن الهجمات الاسرائيلية الأمريكية حتى الآن لم تُظهر ذلك المشهد الكلاسيكي الذي اعتدنا عليه في الحروب. لم نسمع عن ثكنة عسكرية إيرانية قُصفت فسقط فيها عشرات الجنود دفعة واحدة، أو عن موقع عسكري قُتل فيه عشرون أو ثلاثون جندياً في ضربة واحدة كما يحدث أحياناً في ساحات أخرى مثل العراق.

وهذا ليس صدفة.

فالإدارة الإيرانية، بحكم خبرتها الطويلة في الحروب غير المتكافئة، تدرك أن بعض الأهداف العسكرية في عصر الصواريخ الدقيقة قد تتحول إلى مصائد موت. لذلك لم تعد الحرب بالنسبة لإيران حرب تمركز قوات أو مواقع ثابتة، بل أصبحت حرب انتشار غير مرئي: صواريخ بعيدة المدى، مسيّرات، وشبكات ردع غير مباشرة.

بمعنى آخر، إيران تحاول أن تحارب دون أن تجعل جيشها هدفاً واضحاً.

لكن السؤال الأهم هنا: أين يقف العراق في هذه المعادلة؟

للأسف، يقف العراق في المنطقة الرمادية بين الدولة واللا دولة.

فالدولة العراقية، من الناحية الرسمية، لا تريد الحرب ولا تعلن أنها جزء من هذا الصراع. لكن في الوقت نفسه توجد فصائل مسلحة تعمل داخل الأراضي العراقية وتعلن صراحة مشاركتها في ضرب أهداف مرتبطة بدول معادية لإيران.

وهنا تبدأ المعضلة الحقيقية.

فالدول التي تتعرض للهجوم لا تكتفي عادة ببيانات الاستنكار، كما يحدث كثيراً في النقاشات الافتراضية على مواقع التواصل الاجتماعي. الدول حين تُقصف ترد، وحين تُستهدف مصالحها تبحث عن مصادر التهديد وتتعامل معها مباشرة.

وبهذه الطريقة قد يتحول العراق تدريجياً إلى ساحة مفتوحة لحرب ليست قراره فيها.

وفي الحروب الحديثة لم تعد المشكلة في سقوط الصواريخ وحدها، بل في اتساع دائرة الصراع. فحين تتوسع الحرب لا يتزايد عدد الأهداف العسكرية فقط، بل يدخل عنصر أخطر بكثير إلى المعادلة: الاقتصاد.

الحرب الحديثة قد تبدأ بصاروخ، لكنها كثيراً ما تنتهي بأزمة معيشية.

ولهذا فإن ما حدث في البصرة حين جرى استهداف ناقلتين نفطيتين لا ينبغي أن يُقرأ كحادث معزول، بل كرسالة.

فالنفط هو شريان الحياة للاقتصاد العراقي. وأي ضربة تُوجَّه إلى هذا الشريان ليست مجرد ضربة عسكرية، بل ضربة اقتصادية مباشرة.

وحين يدخل الاقتصاد إلى الحرب تصبح النتائج أكثر قسوة من القصف نفسه. فالقصف قد يدمر بناية، أما الأزمة الاقتصادية فقد تدمر حياة ملايين الناس. في الحروب يكون الجوع أحياناً أخطر من القنابل.

لذلك فإن خلق الأزمات الاقتصادية في الدول الواقعة على هامش الصراع يُعد أحد الأساليب الكلاسيكية في الحروب الكبرى. فالفوضى الاقتصادية تُضعف الدول، وتربك المجتمعات، وتخلق موجات من الغضب الداخلي.

وهذا بالضبط ما تسعى إليه القوى الكبرى حين تدخل في صراع طويل مع خصومها. فهي لا تضرب العدو فقط، بل تحاول أيضاً إرباك البيئة التي تقف حوله. والعراق يقع في قلب هذه البيئة.

إذا استمرت الفصائل في إعلان مشاركتها في الحرب، واستمرت الأطراف الأخرى في الرد، فإن العراق قد يتحول تدريجياً إلى ساحة ردود متبادلة. ليس بالضرورة عبر معارك واسعة، بل عبر نمط مختلف من التصعيد: قصف محدود هنا، استهداف اقتصادي هناك، ضغوط مالية، توترات في الطاقة، وأزمات داخلية تتكاثر مثل أحجار الدومينو.

والأخطر من ذلك أن المجتمع العراقي قد يجد نفسه داخل هذه الدوامة دون أن يكون قد قرر الدخول فيها أصلاً.

فالدولة التي لا تملك القرار الكامل في الحرب لا تملك أيضاً القرار الكامل في السلام.

وفي علم السياسة يُعد احتكار القوة تعريفاً أساسياً للدولة. وحين يتعدد السلاح تتعدد القرارات، وحين تتعدد القرارات يصبح البلد كله عرضة لنتائج قرارات لم تُتخذ في غرفة واحدة.

الطرف الذي يدخل الحرب يقرر متى يبدأ ومتى ينتهي.

أما الأرض التي تتحول إلى ساحة حرب، فهي لا تقرر شيئاً… بل تتلقى الضربات فقط.