الديرة - الرمادي
عادت منطقة الخليج العربي لتتصدر واجهة الأحداث الساخنة بعد جولة خاطفة ومقلقة من الضربات العسكرية المتبادلة بين الولايات المتحدة وإيران في محيط مضيق هرمز.
وجاءت الهجمات الأمريكية الأخيرة ضد مواقع رادار ومخازن مسيرات إيرانية في منطقة "سيريك"، رداً على استهداف سفينة شحن تجارية لتعيد خلط الأوراق السياسية والعسكرية، وتضع التفاهمات الهشة التي جرى التوصل إليها مؤخراً في مهب الريح.
ويؤكد خبراء معهد الخليج لسياسات الطاقة في واشنطن أن هذه الجولة العسكرية وضعت "مذكرة التفاهم" الموقعة بين الطرفين مؤخرا، والتي تمنح الدبلوماسية مهلة 60 يوما لترتيب إنهاء النزاع، في حالة موت سريري.
ويرى الباحث في الشؤون الإستراتيجية الدكتور أحمد الياسري أن التحرك العسكري الأخير يثبت أن المفاوضات تحولت إلى عملية "عض أصابع" خشنة، حيث تحاول طهران التأكيد على أنها لم تفقد أوراق القوة البحرية في هرمز، بينما تسعى إدارة ترامب لإثبات أن قواعد الاشتباك الجديدة لن تسمح بأي تهديد للملاحة الدولية دون رد عقابي فوري.
وفي سياق متصل، يشير تقرير مركز "المستقبل للدراسات الإقليمية" إلى أن القنوات الخلفية عبر باكستان وسلطنة عمان لن تنقطع رغم الاتهامات المتبادلة بنقض الهدنة، لأن كلا الطرفين بحاجة لتجنب حرب شاملة مدمرة، والضربات الحالية هي محاولة لتحسين الشروط التفاوضية قبل الصياغة النهائية للاتفاق.
ووفقت لـ "رويترز"، فإن هذا الوضع يوحي بأن إيران ليست في وارد الاستسلام الكامل، وأن واشنطن في المقابل لا تزال تفضل إستراتيجية الردع المقاس والدبلوماسية القسرية لفرض الاتفاق بدلا من الذهاب نحو تدمير شامل لبنيتها التحتية.
وعن احتمالات المرحلة القادمة، يرى الخبير العسكري المتقاعد الفريق الركن سبتي جاسم أن السيناريو المرجح بنسبة كبيرة هو التصعيد المنضبط واستكمال الاتفاق، حيث ستمتص طهران الضربة لتأمين رفع الحصار الاقتصادي عن موانئها خلال ما تبقى من مهلة الستين يوما.
في المقابل، تحذر مجموعة الأزمات الدولية من سيناريو بديل يتجلى في الانزلاق نحو حرب استنزاف بحرية في حال تكرار الهجمات على السفن، مما قد يدفع واشنطن لإعادة فرض "الحصار المزدوج" على الموانئ الإيرانية، مستبعدة في الوقت ذاته خيار الحرب الشاملة والمفتوحة نظرا لتبعاتها الكارثية على أسواق النفط والغاز العالمية.
ووسط هذا التجاذب الإقليمي، يظل العراق الساحة الأكثر حساسية وتأثرا، حيث ينبه مستشار القيادة العامة للقوات المسلحة العراقية الأسبق إلى خطورة تحول الأراضي العراقية مجددا إلى "صندوق بريد" لتبادل الرسائل النارية، في حال لجوء الفصائل الحليفة لطهران لاستهداف المصالح الأمريكية داخل البلاد ردا على ضربات "سيريك".
ومن الناحية الاقتصادية، يؤكد الخبير المالي العراقي الدكتور نبيل المرسومي أن أي اضطراب في حركة الملاحة بمضيق هرمز يمثل تهديدا وجوديا للموازنة العراقية التي تعتمد كليا على ريع نفط البصرة المصدر عبر الخليج، محذرا من أن تباطؤ حركة الناقلات سيخنق الإيرادات المالية للدولة بشكل سريع، ويتسبب في تداعيات مباشرة على استقرار العملة المحلية والأسواق. بالإضافة إلى ذلك، يرى الباحث في شؤون الطاقة ريبوار محمد أن تصاعد الضربات قد يهدد إمدادات الغاز الإيراني المشغل لمحطات الكهرباء العراقية، مما ينذر بإدخال الشارع في أزمة طاقة خانقة وسط تداعيات الصراع الراهن.