آخر الأخبار


إعلان: صرف رواتب المتقاعدين

  • A+
  • A-

 الديرة - الرمادي


د. ظافر العاني


هذا ما قرأته في العديد من مجاميع "واتساب" التي أشترك فيها، وعلى صفحات "فيسبوك" وبقية وسائل التواصل الاجتماعي. وهو الخبر الذي تصدّر عواجل الوكالات المحلية، وامتلأت به الرسائل التي يتبادلها المتقاعدون وأفراد عائلاتهم ممن يعتمدون على الراتب التقاعدي، وهم يزفّون البشرى بعضهم إلى بعض بأن دائرة التقاعد صرفت رواتب شهر آب.

لكن الحقيقة أن الإعلان يتعلق بتمويل هيئة التقاعد للرواتب، أما الصرف الفعلي فسيتم خلال اليومين المقبلين.


وبهذه المناسبة، خطر على بالي الأستاذ فائق الشهابي، وهو من وجهاء العانيين في بغداد، وبمثابة العم بالنسبة إليّ، وقد قارب عمره المائة عام بفضل الله ونعمته.


كان الأستاذ فائق مديراً لدائرة التقاعد العامة طوال عقد السبعينيات وحتى مطلع الثمانينيات، حين أصبح نائباً في المجلس الوطني ورئيساً للجنته المالية، وقد حكى لي الوالد، يومها، قصصاً عديدة عن همة قريبه وتفانيه في عمله.


وفي عهد الأستاذ فائق، وتحديداً عام 1978، جرى تحويل أضابير التقاعد من معاملات ورقية إلى نظام آلي، تماشياً مع تطورات العصر، ولتسهيل إنجاز المعاملات وحفظها من التلف. وقد استلزم ذلك بقاء الموظفين في مكاتبهم حتى الساعة الحادية عشرة ليلاً، كي ينجزوا المهمة بلا كلل، خصوصاً أنهم كانوا يتقاضون أجوراً مضاعفة عن ساعات العمل الإضافية.


في عهده، كما في زمن غيره، لم تكن معاملة التقاعد تتأخر على مكاتب الموظفين، ولم يكن المتقاعد يحتاج إلى واسطة لصرف مستحقاته، أو يضطر إلى دفع رشوة للحصول على مكافأة نهاية الخدمة وبدلات الإجازات المتراكمة.


وهاكم، على سبيل المثال، مدير تقاعد الأنبار الذي ما يزال موقوفاً حتى الآن، بعدما تلاعب بحقوق المتقاعدين "شاطي باطي" وأذلّهم وقاسمهم لقمتهم، وقد عُثر في منزله على سيارات فارهة وأموال وسبائك ذهب، بما يشيب له الرأس، والتي "سطا" عليها خلال مدة لا تتجاوز سنتين، وهي قصة أخرى تشبه قصة عدنان الجميلي.


قال لي عمنا الأستاذ فائق، وهو الآخر من جموع المتقاعدين: "لم يكن الراتب التقاعدي يتعرض للتأخير مطلقاً، بل كان موعداً مقدساً لدى الدولة، ويوماً ثابتاً في روزنامة الشهر"

.

وتشير الإحصاءات الرسمية إلى أن عدد المتقاعدين في العراق، حتى عام 2025، بلغ 2,913,109 متقاعدين، برواتب شهرية إجمالية تصل إلى 1.808 تريليون دينار عراقي، أي قرابة تريليوني دينار شهرياً.


وإذن، هناك نحو ثلاثة ملايين متقاعد أفنوا حياتهم في الخدمة العامة، وكانوا ينتظرون بقلق شديد رواتبهم طوال الأيام الماضية، لتسديد التزاماتهم، التي يذهب معظمها ربما إلى الإيجار والدواء.


وقد وضعوا أيديهم على قلوبهم خشية التأخير، خصوصاً وهم يسمعون مسؤولي الدولة يتحدثون عن احتمال العجز عن تسديد رواتب الموظفين والمتقاعدين خلال الأشهر المقبلة، وأن مواعيد الرواتب قد لا تبقى ثابتة، وربما لا تكون شهرية.


ثم جاء خبر التمويل مثل نسمة هواء باردة في يوم قائظ من أيامنا هذه، حيث تلامس درجات الحرارة الخمسين مئوية، فيما تبدو الكهرباء مشلولة عن العمل.


ومع ذلك، يبقى السؤال ملحاً: ماذا عن الأشهر المقبلة؟


حار الأستاذ فائق في جوابه، كما سيحار معه ثلاثة ملايين متقاعد لا يعرفون ما الذي يخبئه لهم الغد.