الديرة - الرمادي
لم تكن أزمة رواتب تموز مجرد تأخير اعتيادي في مواعيد الصرف، بل كشفت عن ضغوط حقيقية تواجه السيولة المالية في العراق، بعدما بدأت وزارة المالية بتمويل الرواتب في الثامن والعشرين من تموز، فيما بقيت عملية الصرف مستمرة على شكل دفعات بحسب الوزارات والدوائر حتى الأسبوع الأول من آب.
وبحسب آخر المعطيات المنشورة، فإن عملية توزيع رواتب تموز لم تكن قد اكتملت بالكامل حتى السادس من آب، إذ كشف النائب سلوان آكريي أن رواتب نحو 8 إلى 9 وزارات اتحادية لم تُستكمل، وأن الصرف يجري على أجزاء ووفق الدوائر بسبب نقص السيولة، مع توقع الانتهاء منها بحلول 11 آب.
من بدأ باستلام الرواتب؟
قبل رواتب الموظفين، كانت جهات أخرى قد باشرت صرف مستحقاتها بصورة أقرب إلى المواعيد المعتادة؛ إذ أُطلقت رواتب المتقاعدين لشهر تموز اعتباراً من الأول من الشهر، كما أطلقت وزارة العمل راتب المعين المتفرغ في 23 تموز ومستحقات الحماية الاجتماعية في 1 اب، فيما بدأت وزارة المالية تمويل رواتب موظفي الدولة في 28 تموز.
كم كانت الفجوة بين راتب وآخر؟
اللافت أن وزارة المالية كانت قد باشرت إطلاق تمويل رواتب حزيران في 28 حزيران، بينما باشرت تمويل رواتب تموز في 28 تموز، أي أن الفاصل بين بدء تمويل الشهرين كان 30 يوماً.
لكن المشكلة لم تكن في الفاصل الحسابي بين التمويلين فقط، بل في أن راتب تموز لم يصل إلى جميع الموظفين في الموعد المتوقع، إذ بدأت عملية التمويل في 28 تموز واستمرت عملية التوزيع خلال آب.
وهذا يعني عملياً أن بعض الموظفين دخلوا الشهر الجديد قبل إكمال استلام راتب الشهر السابق، وهي النقطة التي جعلت الأزمة محسوسة بصورة أكبر لدى المواطنين.
لماذا حدث التأخير؟
المعطيات المنشورة تربط الأزمة بشكل أساسي بأزمة السيولة وتراجع الإيرادات، ولا سيما الإيرادات النفطية، مع ارتفاع الالتزامات الشهرية للدولة.
وتشير تقديرات منشورة إلى أن إجمالي الالتزامات الشهرية للرواتب يبلغ نحو 7.8 تريليونات دينار، فيما واجهت وزارة المالية فجوة تمويلية كبيرة خلال فترة الأزمة.
كما تحدثت الحكومة عن وجود فجوة بين الإيرادات الحالية ومتطلبات الإنفاق، وعن اللجوء إلى حلول داخلية واقتراض لتفادي استمرار التأخير.
وفي المقابل، يؤكد المستشار المالي لرئيس الوزراء مظهر محمد صالح أن ما يجري لا يعني إفلاس الدولة، وإنما يمثل ضائقة مالية يمكن تجاوزها من خلال إعادة ترتيب الإنفاق، وزيادة الإيرادات، والاقتراض، وفتح منافذ إضافية لتصدير النفط.
هل انتهت الأزمة فعلاً؟
حتى الآن، الإجابة الأدق هي: أزمة تموز في طريقها إلى الانتهاء، لكن أزمة السيولة لم تُحسم جذرياً، فحتى السادس من آب كانت هناك وزارات لم تكتمل رواتبها، فيما كانت وزارة المالية بحاجة إلى مواصلة توفير السيولة لإكمال بقية الاستحقاقات.
هل ستتكرر الأزمة في الشهر المقبل؟
المؤشرات الحالية تجعل احتمال استمرار الضغط المالي قائماً، خصوصاً أن المشكلة مرتبطة بفجوة بين الإيرادات والالتزامات، وليست مجرد خلل إداري في عملية توزيع الرواتب.
لكن في المقابل، هناك مسارات يجري الحديث عنها لتقليل الضغط، من بينها الاقتراض الداخلي والخارجي، وزيادة الصادرات النفطية، والاستفادة من منافذ تصدير بديلة، إلى جانب إعادة ترتيب أولويات الإنفاق والانضباط المالي.
لذلك، فإن المعيار الحقيقي لمعرفة ما إذا كانت الأزمة انتهت سيكون راتب آب: إذا بدأت عملية تمويله وصرفه ضمن المواعيد المعتادة، فذلك سيكون مؤشراً على تحسن السيولة. أما إذا تكرر سيناريو تموز، فستكون المشكلة أقرب إلى أزمة تمويل مستمرة وليست حادثة عابرة.
أزمة رواتب تموز كشفت أن انتظام صرف الرواتب في العراق أصبح مرتبطاً بشكل مباشر بقدرة الحكومة على توفير السيولة في ظل اعتماد كبير على الإيرادات النفطية.