آخر الأخبار


193 ألف خريج طبي بلا تعيين...العراق أمام أزمة “جيش أبيض” ينتظر الوظيفة

  • A+
  • A-

الديرة -  رمادي


لم تعد أزمة تعيين خريجي المجموعة الطبية والصحية في العراق احتجاجا موسميا أمام وزارة أو مطالبة بدفعة متأخرة، بل تحولت خلال ثلاثة أعوام إلى واحدة من أكبر مشكلات سوق العمل الحكومي، بعدما أظهرت أرقام رسمية تراكم نحو 193 ألفا و200 خريج غير معين من دفعات 2023 و2024 و2025، وسط توقعات باستمرار تضخم الأعداد خلال السنوات المقبلة.

وبحسب تقرير لجنة الأمر النيابي رقم 18 لسنة 2026، الذي اطلع عليه تلفزيون "الديرة"، بلغ عدد غير المعينين من دفعة 2023 نحو 21.2 ألف خريج، مقابل قرابة 72 ألفا من دفعة 2024، ونحو 100 ألف من دفعة 2025. والأخطر أن التقرير قدّر عدد الطلبة المتوقع تخرجهم من التخصصات الطبية والصحية خلال السنوات الست المقبلة بنحو 500 ألف خريج إضافي.

والحديث هنا لا يقتصر على الأطباء وحدهم، إذ يضم الملف أطباء الأسنان والصيادلة والتمريض والتقنيات والمهن الصحية وفئات أخرى مشمولة بقانون التدرج، ما يجعل الرقم مؤشرا على اختلال أوسع بين التوسع الكبير في مخرجات الكليات والمعاهد وبين قدرة الدولة على استيعابها.

والمفارقة أن هؤلاء الخريجين ينتمون إلى قطاع ارتبط تاريخيا في العراق بنظام التعيين والتدرج الحكومي. فقانون تدرج ذوي المهن الطبية والصحية رقم 6 لسنة 2000 وتعديلاته ينظم انتقال الخريج إلى الخدمة والتدرج المهني، كما يربط في حالات عدة الانتقال إلى الممارسة الخاصة بإكمال مراحل الخدمة والتدرج المنصوص عليها قانونا. وهو ما يجعل تأخر التعيين بالنسبة إلى شرائح من الخريجين أكثر تعقيدا من بطالة خريج اعتيادي، لأن نقطة البداية في مساره المهني نفسها ترتبط بالدولة وإجراءاتها.

ونشرت وزارة العدل في 2020 التعديل الثالث لقانون التدرج، الذي وسّع دائرة المشمولين لتضم تخصصات صحية ساندة، مع النص على تعيينها بحسب حاجة وزارة الصحة ونسب تحدد من مجموع التعيينات، الأمر الذي أضاف لاحقا أعدادا كبيرة إلى سوق ينتظر أصلا فرص الاستيعاب الحكومي.

والأزمة ليست جديدة. ففي 2024 قال رئيس لجنة الصحة والبيئة النيابية آنذاك ماجد شنكالي إن قانون التدرج الطبي يلزم الحكومة بتعيين المشمولين، وطالب بتوفير الدرجات الوظيفية لخريجي 2023، لكنه دعا في الوقت نفسه إلى أن يكون التعيين وفق حاجة المؤسسات الصحية بعد تعديل القانون، في إشارة مبكرة إلى التناقض بين الالتزام القانوني والتوسع الكبير في أعداد الخريجين.

ومع انتقال الأزمة إلى دفعات لاحقة، قال المتحدث باسم وزارة الصحة إن التعاقد مع خريجي المجموعة الطبية يمثل حلاً مؤقتا وليس بديلا عن التعيين، فيما ارتبطت التعيينات الدائمة بتوفير التخصيصات والدرجات المالية.

وفي تموز الماضي، أعلن وزير الصحة عبد الحسين الموسوي أن خريجي 2024 الذين جرى التعاقد معهم ستُرفع رواتب عقودهم إلى 600 ألف دينار نهاية 2026، وأن الوزارة تعمل على تثبيتهم مع موازنة 2027، مؤكداً استمرار البحث عن حلول لبقية خريجي الكليات الطبية والصحية.

كما بحثت لجنة الصحة النيابية مع الوزارة، في تموز 2026، استكمال تعيين المتبقين من دفعات 2023 و2024 و2025، مع التأكيد على أن حسم الملف يحتاج إلى درجات وظيفية وتخصيصات مالية، وهو ما يكشف أن المشكلة تجاوزت قدرة وزارة الصحة وحدها، وأصبحت مرتبطة بالموازنة وسياسة التعليم والتوظيف معاً.

وتضع هذه الأرقام الدولة أمام سؤال أكثر جوهرية من موعد إطلاق “وجبة تعيين” جديدة: كيف يستمر العراق في تخريج عشرات الآلاف سنويا في تخصصات ترتبط مساراتها المهنية بالتدريب والتدرج الحكومي، من دون أن تكون هناك خريطة واضحة لحاجة المؤسسات الصحية أو قدرة الموازنة على استيعابهم؟
فالنتيجة اليوم ليست مجرد خريجين يبحثون عن راتب حكومي؛ إنها منظومة تنتج كوادر طبية وصحية بكلفة تعليمية واجتماعية عالية، ثم تترك عشرات الآلاف منهم عند بوابة المهنة.

وفي بلد يحتاج إلى تطوير مستشفياته ومراكزه الصحية، تبدو المفارقة قاسية: كوادر صحية بالآلاف تنتظر فرصة للعمل، فيما يبقى حل الأزمة معلقا بين قانون يَعِد بالتدرج والتعيين، وموازنة لم تعد قادرة على استيعاب النمو المتسارع في أعداد الخريجين.