آخر الأخبار


تقرير مفصل عن ملف حساس هل يؤدي حذف الأصفار من الدينار العراقي إلى خروج الأموال من المنازل؟

  • A+
  • A-

 الديرة - الرمادي


عاد واحد من أكثر الملفات النقدية إثارة للجدل في العراق إلى الواجهة، بعدما أعلن وزير الاتصالات مصطفى سند أن قراراً بشأن تغيير العملة وحذف الأصفار قد صدر، فاتحاً الباب أمام موجة واسعة من الأسئلة: هل يستعد العراق بالفعل لإصدار دينار جديد؟ وهل سترتفع قيمة العملة؟ وماذا سيحدث للرواتب والمدخرات ومليارات الدنانير الموجودة خارج المصارف؟

وقال سند، خلال مقابلة تلفزيونية بوم أمس إن العراق “ماشٍ بقضية حذف الأصفار وتغيير العملة”، وإن القرار في هذا الشأن صدر، رابطاً الخطوة بإعادة الأموال المكتنزة إلى النظام المالي وكشف الأموال المخفية وغير المتداولة. لكن سند لم يحدد موعداً للتنفيذ أو تفاصيل عن الفئات النقدية الجديدة أو مدة استبدال العملة القديمة.

واللافت أن الموقف الحكومي المعلن قبل أقل من شهرين كان مختلفاً تماماً. ففي 21 حزيران الماضي، قال الناطق باسم الحكومة حيدر العبودي إنه “لا توجد أي خطط” في ذلك الوقت لتغيير العملة أو حذف ثلاثة أصفار من الدينار، وإن الأخبار التي تحدثت عن قرب تنفيذ ذلك لا تستند إلى قرار رسمي، مشدداً على أن أي قرار يتعلق بهيكل العملة أو سعر الصرف سيعلن عبر القنوات الرسمية.

وجاء هذا النفي بعد ساعات من تداول وسائل إعلام تقارير تشير الى ان الحكومة تتجه إلى دراسة حذف ثلاثة أصفار وإصدار عملة جديدة. ونفت الحكومة عملياً ذلك الاتجاه في اليوم نفسه.


حقيقي.. لكنه ليس جديدا

بعيداً عن الجدل الحالي، فإن مشروع حذف الأصفار ليس إشاعة من حيث المبدأ، بل ملف رسمي موجود ضمن ملفات البنك المركزي منذ أكثر من عقد ونصف.

ففي عام 2010 كشف مسؤولون في البنك المركزي عن خطة لإعادة تسمية القيم النقدية وحذف ثلاثة أصفار لتسهيل التعاملات وتقليل كمية الأوراق التي يحتاجها المواطنون والمصارف، مع تصور آنذاك بأن تتعايش العملتان القديمة والجديدة خلال مرحلة انتقالية.

وفي عام 2012 نشر البنك المركزي دراسة رسمية بعنوان “إعادة هيكلة العملة العراقية - مشروع حذف الأصفار الثلاثة وكلف المعاملات النقدية”، أعدها مظهر محمد صالح عندما كان نائباً لمحافظ البنك.

وكان جوهر الخطة بسيطاً: تحويل كل ألف دينار قديم إلى دينار جديد واحد، من دون أن تتغير الثروة الحقيقية للأفراد أو القوة الشرائية نتيجة عملية الحذف نفسها. أي أن مليون دينار قديم يصبح ألف دينار جديد، وفي المقابل ينخفض رقم سعر السلعة والراتب والدين والقرض بالنسبة نفسها. وأكدت الدراسة أن الغاية هي إعادة هيكلة الوحدات النقدية وتقليل الكلفة المحاسبية والنقدية، وليس خلق ثروة جديدة بمجرد تغيير الأرقام.


عملة أقوى؟

ولكن السؤال الجوهري هو، هل يعني حذف الأصفار أن الدينار سيصبح أقوى؟

هذه هي أكثر النقاط التي تختلط على العراقيين.

حذف ثلاثة أصفار لا يعني، في حد ذاته، أن صاحب مليون دينار سيصبح أغنى أو أن ألف دينار ستتحول فجأة إلى ألف دولار.

إذا تقرر مثلاً أن كل 1000 دينار قديم تساوي ديناراً جديداً واحداً، فإن السلعة التي كان سعرها 10 آلاف دينار تصبح 10 دنانير جديدة، والراتب البالغ مليون دينار يصبح ألف دينار جديد، كما يعاد التعبير عن سعر الدولار بالنسبة نفسها.

وبالتالي فإن “قوة” الدينار الحقيقية لا تنتج من عدد الأصفار المطبوعة عليه، وإنما من التضخم والإنتاج والاحتياطيات والثقة بالاقتصاد والسياسة المالية وسوق الصرف.

كما تظهر التجارب الدولية أن إعادة تسمية العملة قد تنجح إدارياً إذا جاءت بعد تحقيق استقرار اقتصادي، بينما لا تمنع تدهور العملة إذا بقي التضخم والاختلال المالي مرتفعين. ولهذا تُذكر تركيا عادة بين النماذج الناجحة، فيما قدمت زيمبابوي وفنزويلا تجارب مختلفة تماماً عندما استمر التضخم بعد عمليات حذف الأصفار.


الأموال المخفية

حديث سند أضاف هذه المرة بعداً مختلفاً للملف، عندما ربط تغيير العملة بالأموال المخزنة خارج القطاع المصرفي.

نظرياً، إذا أصدرت الدولة عملة جديدة وحددت مهلة لاستبدال القديمة، فإن أصحاب الكميات الكبيرة من النقد سيضطرون إلى إدخالها في المصارف أو منافذ الاستبدال، وهو ما يمكن أن يكشف جزءاً من الأموال المكتنزة، خصوصاً إذا خضعت العمليات الكبيرة لإجراءات “اعرف عميلك” ومكافحة غسل الأموال.

لكن حذف الأصفار نفسه ليس أداة لمصادرة الأموال أو إثبات فساد أصحابها؛ فالنتيجة تعتمد على القانون الذي ينظم عملية الاستبدال، وحدود الإيداعات والتدقيق ومصادر الأموال وآليات مكافحة غسل الأموال التي سترافقها.