آخر الأخبار


حيتان تبتلع مليارات الكهرباء.. فهل تتجه بوصلة "صولة الفجر" نحو "ربّان السفينة"؟

  • A+
  • A-

 الديرة - الرمادي


في بلد أنفق مليارات الدولارات على قطاع الكهرباء من دون أن ينجح في إنهاء أزمة الانقطاعات، يعود ملف الشركات المتعاقدة مع وزارة الكهرباء إلى الواجهة، وسط مطالبات بفتح عقود "ربّان السفينة" ومراجعة ما رافقها من اتهامات بالهدر وتضارب المصالح والإخفاق في تقديم الخدمات.

الكهرباء.. أزمة مزمنة رغم المليارات

منذ سنوات طويلة، يعيش العراقيون أزمة كهرباء متكررة تتجدد مع كل صيف، حيث ترتفع درجات الحرارة وتزداد ساعات الانقطاع، فيما يجد المواطن نفسه مضطراً للاعتماد على المولدات الأهلية، رغم الأموال الضخمة التي خُصصت للقطاع عبر الحكومات المتعاقبة.

وتحوّل ملف الكهرباء إلى أحد أكثر الملفات حساسية في العراق، ليس بسبب كونه ملفاً خدمياً فقط، بل لأنه ارتبط بالإنفاق الكبير، والعقود الاستثمارية، ومشاريع الإنتاج والصيانة، واستيراد الطاقة والغاز، فضلاً عن الاتهامات المستمرة بسوء الإدارة وهدر المال العام.

ورغم إعلان خطط ومشاريع متعاقبة لتحسين المنظومة الكهربائية، ما تزال الأزمة قائمة، الأمر الذي يفتح الباب أمام سؤال جوهري: أين ذهبت مليارات الكهرباء، ولماذا لم تنعكس على استقرار الخدمة المقدمة للمواطنين؟

شركات كبرى وخدمة متعثرة

مع اتساع أزمة الكهرباء، اتجهت الدولة إلى الشركات الاستثمارية والمتعاقدة لتنفيذ مشاريع إنتاج وصيانة وتشغيل، على أمل سد النقص في الطاقة وتحسين التجهيز. غير أن استمرار الانقطاعات وتكرار الأعطال وضع هذه العقود تحت المجهر، خصوصاً تلك التي حصلت على مبالغ كبيرة أو امتيازات طويلة الأمد.

ويرى متابعون أن مشكلة الكهرباء في العراق لم تعد محصورة بنقص الإنتاج فقط، بل تتعلق أيضاً بطبيعة العقود، وآليات الإحالة، ومدى التزام الشركات المنفذة، وغياب الشفافية في إعلان نسب الإنجاز والكلف الفعلية وحجم الطاقة المضافة إلى الشبكة الوطنية.

من هي "ربّان السفينة"؟

تُعد "ربّان السفينة" واحدة من المجموعات الاقتصادية المعروفة في العراق، وتعمل في قطاعات متعددة، بينها الطاقة، المقاولات، النفط والغاز، الاتصالات، التعليم، الصحة، الاستثمار العقاري، والمال.

وبحسب المعلومات المتداولة عن المجموعة، فإنها تضم عدداً كبيراً من الشركات العاملة في قطاعات مختلفة، ولها حضور في مشاريع الطاقة والمقاولات الحكومية، فضلاً عن ارتباط اسمها بمشاريع واسعة داخل قطاع الكهرباء.

وترتبط المجموعة برجل الأعمال سعدي وهيب، الذي يُعد من أبرز الأسماء الاقتصادية المرتبطة بالشركة، فيما برز اسم نجله علي سعدي وهيب بعد توليه وزارة الكهرباء، وهو ما فتح باباً واسعاً للحديث عن تضارب المصالح، بحكم خلفيته السابقة في إدارة عمليات المجموعة ووجود عقود وأعمال للشركة مع الدولة.

اتهامات وإعفاءات وديون

لم يظهر اسم "ربّان السفينة" في الجدل الحالي بصورة مفاجئة، إذ سبق أن ارتبطت الشركة باتهامات متداولة بشأن عقود ومشاريع في قطاع الكهرباء وملفات أخرى، بينها الحديث عن إعفاءات مالية وديون ومستحقات بذمة مؤسسات حكومية.

وتداولت تقارير ومنصات اتهامات بشأن إطفاء مديونيات قيل إنها بلغت عشرات المليارات من الدنانير، إلى جانب اتهامات بوجود تسهيلات وإعفاءات غير قانونية، غير أن هذه الملفات تحتاج إلى كشف رسمي من الجهات الرقابية المختصة، وفي مقدمتها هيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية واللجان البرلمانية.

وتكمن خطورة هذه الاتهامات في أنها تتعلق بقطاع حيوي يمس حياة المواطنين اليومية، إذ لا يمكن التعامل مع ملف الكهرباء كعقود تجارية عادية، بل كملف يرتبط بالمال العام، والخدمة الأساسية، وثقة المواطن بالدولة.

تضارب المصالح في الواجهة

تصاعد الجدل بعد تولي علي سعدي وهيب وزارة الكهرباء، نظراً لكونه شغل سابقاً موقعاً تنفيذياً في مجموعة "ربّان السفينة"، فضلاً عن كونه نجل رجل الأعمال سعدي وهيب، المرتبط اسمه بالشركة ومشاريعها.

ويطرح هذا الواقع أسئلة رقابية وقانونية حول كيفية ضمان الحياد في إدارة وزارة ترتبط بعقود ومستحقات وملفات مالية مع شركات كانت ضمن دائرة عمل الوزير أو عائلته.

ولا يقتصر الجدل هنا على شخص الوزير، بل يمتد إلى النظام الإداري والرقابي الذي يفترض أن يعلن بوضوح إجراءات منع تضارب المصالح، وآليات الإفصاح، وطبيعة العلاقة بين الوزارة والشركات المرتبطة بعائلة الوزير، وما إذا كانت هناك مراجعة للعقود أو تعليق لأي تعاملات قد تثير شبهة تضارب.

قرار شراء الكهرباء يفتح الباب مجدداً

زاد الجدل بعد توجه الحكومة إلى الاستمرار بشراء الكهرباء من الشركات الاستثمارية خلال ذروة صيف 2026، مع توفير التخصيصات اللازمة ومنح وزارة الكهرباء صلاحية توقيع ملاحق عقود جديدة مع المستثمرين.

وبدل أن يهدئ هذا القرار المخاوف، أعاد طرح الأسئلة ذاتها: هل يجري تمويل النموذج القديم نفسه؟ وهل تُراجع العقود السابقة قبل توقيع ملاحق جديدة؟ وهل توجد ضمانات تمنع استفادة أي جهة مرتبطة بمراكز القرار داخل الوزارة؟

ويرى متابعون أن استمرار ضخ الأموال في قطاع الكهرباء من دون مراجعة شاملة للعقود والإخفاقات السابقة يعني إعادة تدوير الأزمة، لا حلّها.

العلواني تطالب بفتح الملف

في خضم هذا الجدل، دعت النائبة مها العلواني إلى فتح ملف "ربّان السفينة" ومحاسبة المقصرين بهدر المال العام والإخفاق في تقديم الخدمات.

وذكرت  العلواني في تدوينة على مواقع التواصل الاجتماعي، أن حر الصيف لا يتحمل وحده مسؤولية معاناة المواطن، مشيرة إلى أن المليارات التي أُهدرت والمشاريع التي ثبت فشلها كانت شريكة في هذه المعاناة.

وأضافت أن أوراق "ربّان السفينة"، التي ارتبط اسمها بهذا الملف، لا تزال بعيدة عن طائلة المحاسبة والعقاب، متسائلة عن موعد كشف الكواليس ومحاسبة المقصرين، ليطمئن المواطن إلى أن العدالة لا تستثني أحداً، وأن لا أحد فوق القانون، وأن هدر المال العام والإخفاق في تقديم الخدمات لن يمرا من دون مساءلة.

الجبوري يطالب بـ"صولة فجر"

بدوره، طالب رئيس كتلة تقدم النيابية أحمد مظهر الجبوري بمحاسبة شركة "ربّان السفينة" على خلفية هدر الأموال في ملف الكهرباء.

وكتب الجبوري أن "ربّان السفينة" بدأت مبكراً بإغراق سفينة الكهرباء وانحرفت عن مسارها، فقادت المواطن نحو العتمة وتركته يعاني حرّ الصيف وآلامه.

وتساءل الجبوري: "فهل من صولة فجر تطالها لتعيدها إلى المسار، أو تعيد ما أُهدرت من أموال؟".

نائب سابق: هل تم بيع الحكومة؟

كما أثار النائب السابق رائد المالكي تساؤلات حادة بشأن ترشيح علي سعدي وهيب لمنصب وزير الكهرباء، بوصفه المدير التنفيذي لشركة "ربّان السفينة" ونجل رجل الأعمال سعدي وهيب.

وتساءل المالكي في تدوينة له: "هل تم بيع الحكومة؟"، مشيراً إلى أن سعدي وهيب يمتلك عقوداً وأعمالاً كبيرة وديوناً بذمة وزارة الكهرباء.

وأضاف أن من حق الشعب أن يسأل عن كيفية ضمان حياد إدارة هذه الشخصيات للمصالح العامة والدولة، ومن يضمن عدم تضارب مصالحها مع مصلحة الدولة، مؤكداً أن الدستور والقانون يمنعان تضارب المصالح.

مراقبون: لا إصلاح بلا كشف العقود

ويرى مراقبون أن ملف "ربّان السفينة" يجب ألا يبقى في حدود السجال السياسي، بل ينبغي أن يتحول إلى اختبار حقيقي لقدرة الدولة على فتح ملفات الكهرباء ومراجعة العقود الكبرى التي أُبرمت خلال السنوات الماضية.

وبحسب مراقبين، فإن أي حديث عن إصلاح الكهرباء سيبقى ناقصاً ما لم تُعلن تفاصيل العقود، وحجم المستحقات، ونسب الإنجاز، والطاقة المنتجة فعلياً، وأسباب الإخفاق، فضلاً عن تحديد المسؤوليات الإدارية والمالية والقانونية.

ويؤكد مراقبون أن المشكلة لا تتعلق بشركة واحدة فقط، بل بمنظومة كاملة سمحت بتراكم العقود والديون والإعفاءات من دون نتائج واضحة يشعر بها المواطن.

أسئلة تنتظر الإجابة

تفرض القضية حزمة أسئلة مباشرة: ما حجم عقود "ربّان السفينة" مع وزارة الكهرباء؟ ما قيمة الديون أو المستحقات المتبادلة بين الشركة والدولة؟ هل حصلت الشركة على إعفاءات أو تسويات مالية؟ من وافق عليها؟ وبأي سند قانوني؟

كما يبرز سؤال آخر أكثر حساسية: ما الإجراءات التي اتخذتها وزارة الكهرباء لمنع تضارب المصالح بعد تولي علي سعدي وهيب إدارة الوزارة؟ وهل جرى إعلان أي إفصاح رسمي بشأن علاقته السابقة بالشركة أو عقودها مع الوزارة؟

ولا يقل عن ذلك أهمية السؤال المتعلق بالخدمة: ما حجم الطاقة التي أضافتها المشاريع المرتبطة بهذه العقود؟ وهل كانت الكلفة متناسبة مع النتائج؟ ومن يتحمل مسؤولية استمرار الانقطاعات رغم الإنفاق الكبير؟

حين تصبح الكهرباء اختباراً للعدالة


ويرى متابعون، أن فتح ملف "ربّان السفينة" لا يمثل معركة ضد الاستثمار أو الشركات الخاصة، بل اختباراً لجدية الدولة في حماية المال العام وضمان الشفافية في واحد من أكبر ملفات الإنفاق الحكومي.

فالعراقيون لا يحتاجون إلى وعود جديدة بقدر حاجتهم إلى كشف واضح: من تعاقد؟ من قبض؟ من أخفق؟ ومن يجب أن يُحاسب؟

وما لم تُفتح عقود الكهرباء أمام الرقابة، وتُكشف تفاصيل المستحقات والإعفاءات ونسب الإنجاز، سيبقى المواطن يدفع ثمن الفشل مرتين: مرة من المال العام، ومرة من جيبه الخاص تحت وطأة العتمة والمولدات وحرّ الصيف.