الديرة - الرمادي
لم يعد التقسيط في سوق العقارات العراقية مقتصرا على شراء الشقق والوحدات السكنية الجاهزة، إذ بدأت عروض جديدة تنتقل إلى مرحلة أكثر لفتا للانتباه، عبر بناء منزل كامل على أرض المواطن مقابل دفعة أولى وأقساط شهرية، في صيغة تحاول تحويل كلفة البناء الثقيلة إلى التزام مالي طويل الأمد.
وأثار إعلان متداول في الأنبار اهتماما واسعا بعدما عرض بناء منزل بمساحة 200 متر مربع من طابقين، مقابل 15 مليون دينار مقدماً و500 ألف دينار شهريا، على أن يُسلم المنزل خلال خمسة أشهر من تاريخ تنظيم العقد.
وبحسب الإعلان، يبلغ السعر الإجمالي للمنزل في حالة الدفع النقدي 40 مليون دينار، فيما يرتفع سعره عند التقسيط إلى 60 مليونا، أي بفارق 20 مليون دينار بين الخيارين.
ويعني ذلك حسابيا أن المشتري الذي يختار التقسيط ويدفع 15 مليون دينار مقدما، ستتبقى عليه 45 مليوناً، وهو ما يعادل 90 قسطاً شهرياً بقيمة 500 ألف دينار، أي سبع سنوات ونصف السنة من الأقساط.
ولا يتحدث العرض، وفق القائمة المرفقة به، عن بناء هيكل فقط، بل يضع 22 بندا ضمن المواصفات، تبدأ بفرش الأرض بالسبيس والحدل ورش المبيدات الحشرية، ثم الأساس الكونكريتي الشريطي، وبناء ولبخ البلوك من الداخل والخارج، والبناء بالحجر.
وتشمل القائمة كذلك تطبيق الأرضيات بالسيراميك، وإنجاز المطبخ والحمامات والصحيات، وتسقيف الطابقين بالكونكريت المسلح، فضلا عن الشبابيك المصنوعة من PVC أو الألمنيوم، والكهربائيات من نوع "سيمنز" بحسب ما ورد في العرض.
ويمتد العرض إلى تأسيس المجاري والمياه، ولبخ البيت من الداخل، وإنجاز الواجهة وصبغها، فضلا عن أعمال السطح والستارة، وأبواب الصحيات المصنوعة من PVC، وأبواب الغرف الخشبية التركية، والأبواب الخارجية الحديدية، وصولا إلى محجرات الدرج.
ويقول الإعلان إن مواد البناء "درجة أولى"، وإن تنفيذ المنزل يجري وفق المواصفات المذكورة، فيما يشير النموذج المنشور إلى أن أي تغيير يطلبه صاحب المنزل على المواصفات الأساسية سيؤدي إلى زيادة الكلفة.
غير أن الرقم المعلن يفتح بابا واسعا للتساؤل عند مقارنته بمستويات الأسعار المتداولة في قطاع البناء، إذ تظهر عروض شركات مقاولات عراقية منشورة خلال العام الحالي تفاوتا كبيراً في أسعار المتر تبعا للمواصفات ونوعية الإكساء والمساحة الفعلية المبنية.
ويكشف هذا التفاوت نقطة شديدة الأهمية في قراءة عرض الـ60 مليون دينار: مساحة الأرض البالغة 200 متر لا تعني بالضرورة أن المساحة المبنية تبلغ 400 متر لطابقين، إذ تعتمد الكلفة الحقيقية على "ذرعة" البناء في كل طابق، ومساحات المناور والارتدادات، وتفاصيل المخطط، وهي معلومات لا تظهر كاملة في المنشور المتداول.
وتكتسب الظاهرة أهميتها من توقيتها، إذ دفعت كلف شراء المنازل وارتفاع أسعار العقارات شريحة واسعة من العراقيين إلى البحث عن خيارات أقل كلفة، بينما يقدم البناء بالتقسيط معادلة مختلفة لمن يمتلك الأرض ولا يمتلك السيولة الكافية لبناء المنزل دفعة واحدة.
ويبدو العرض أكثر جاذبية عند النظر إلى القسط الشهري البالغ 500 ألف دينار، وهو مبلغ قد يقترب لدى بعض العائلات من بدل إيجار منزل، مع فارق أساسي يتمثل في أن الأقساط تذهب في النهاية إلى بناء ملك خاص بالعائلة.
ويكشف انتشار هذه العروض عن تحول يستحق المتابعة في سوق البناء العراقي، فبعد تقسيط السيارات والأجهزة والشقق، وصل التقسيط إلى قطعة الأرض نفسها ليعرض على صاحبها معادلة بسيطة في ظاهرها: ادفع 15 مليون دينار الآن، تسلم منزلك بعد خمسة أشهر، ثم واصل دفع نصف مليون دينار شهريا لسبع سنوات ونصف.