الديرة - الرمادي
أعاد تأجيل الاجتماع الإقليمي الذي كان مقررا عقده في العاصمة العمانية مسقط اليوم الاثنين أزمة مضيق هرمز إلى نقطة شديدة الحساسية بالنسبة للعراق، بعدما كان الاجتماع يمثل أول محاولة جدية لتحويل التفاهمات الإيرانية - العمانية حول الملاحة إلى ترتيب إقليمي يسمح بزيادة حركة السفن والناقلات عبر المضيق.
وكان العراق الدولة الوحيدة التي تأكدت مشاركتها بصورة واضحة إلى جانب إيران وعمان قبل تأجيل الاجتماع، في مؤشر يعكس حجم المصلحة العراقية المباشرة في التوصل إلى تفاهم، إذ تمر الغالبية الساحقة من صادرات النفط العراقية المنطلقة من موانئ البصرة عبر الخليج ثم مضيق هرمز.
وكان من المفترض أن يناقش الاجتماع التفاهم الذي توصلت إليه طهران ومسقط بشأن إنشاء مسارات أكثر أمنا لعبور السفن وتنظيم حركة الملاحة في المضيق، بعد أشهر من الاضطراب الذي خفض حركة الناقلات ورفع تكاليف النقل والتأمين وأبقى جزءا كبيرا من نفط الخليج خلف واحد من أخطر الممرات البحرية في العالم.
ولم يكن متوقعا أن ينتهي اجتماع عُمان باتفاق نهائي يفتح مضيق هرمز بالكامل في اليوم نفسه، إذ قال مسؤول إيراني كبير لرويترز إن توقيع اتفاق نهائي لم يكن متوقعا، لكن الاجتماع كان يمكن أن يشكل الخطوة السياسية الأولى نحو تثبيت قواعد جديدة للعبور وقبول إقليمي بالمسار الذي تفاوضت عليه إيران وعمان.
وكان نجاح الاجتماع سيعني، بالنسبة للعراق، الانتقال تدريجيا من عمليات تصدير استثنائية ومكلفة تعتمد على الخصومات الكبيرة والترتيبات الخاصة مع الناقلات، إلى مسار أكثر انتظاما يمكن أن يزيد أعداد السفن المستعدة لدخول الخليج وتحميل الخام العراقي.
وكان من شأن أي اتفاق يوفر ضمانات أكثر وضوحا للملاحة أن يخفض أيضا جزءا من علاوة المخاطر التي تفرضها شركات النقل والتأمين، وأن يقلل الخصومات التي تضطر شركة تسويق النفط العراقية “سومو” إلى تقديمها لإقناع المشترين بتحميل النفط من الموانئ الواقعة داخل هرمز.
وتكشف الأسعار الحالية حجم الخسارة غير المباشرة التي يتعرض لها العراق، إذ أظهرت بيانات السوق التي أوردتها رويترز أن خام البصرة المتوسط يجري تداوله بخصم يبلغ نحو 43 دولارا للبرميل مقارنة بخام مربان الإماراتي، في انعكاس واضح للفارق بين نفط يمكن الوصول إليه بسهولة ونفط يحتاج إلى عبور منطقة شديدة الخطورة.
وكان أي تقدم في عمان قادرا، بالتالي، على تحقيق نتيجة تتجاوز مجرد زيادة الصادرات، لأن كل انخفاض في الخصومات وكلف الشحن والتأمين يعني زيادة فعلية في الأموال التي تدخل خزينة الدولة العراقية حتى إذا بقي حجم الإنتاج على حاله.
وتملك السعودية طريقاً بديلا عبر خط الشرق - الغرب إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، وتمتلك الإمارات قدرة على تصدير جزء من نفطها عبر ميناء الفجيرة خارج مضيق هرمز، فيما لا يزال العراق يعتمد بصورة شبه كاملة على موانئ البصرة والخليج في تصدير نفطه.
ولهذا فإن استمرار اضطراب هرمز يضع بغداد أمام مأزق مختلف، إذ قد ترتفع أسعار النفط عالميا بسبب الأزمة، لكن العراق لا يستفيد بالضرورة من كامل هذا الارتفاع إذا لم يتمكن من إخراج كميات كافية من نفطه أو اضطر إلى بيعه بخصومات كبيرة لتعويض المشترين عن المخاطر.
وأعلن وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي تأجيل الاجتماع من دون تحديد موعد جديد، فيما أشارت المعطيات إلى عدم وجود توافق بين الدول المدعوة على الصيغة المقترحة لإدارة الملاحة.
وتكمن المشكلة بالنسبة للعراق في أن شركات الشحن والتأمين لا تتعامل مع النوايا السياسية وحدها، وإنما تحتاج إلى قواعد مستقرة وضمانات أمنية قابلة للتطبيق قبل إعادة السفن بأعداد كبيرة إلى الممر.
ولا تزال حركة الملاحة بعيدة جدا عن مستوياتها الطبيعية، إذ سجلت بيانات نهاية الأسبوع أعدادا محدودة من السفن العابرة، في وقت كان يمر عبر المضيق قبل الحرب نحو 125 سفينة تجارية يوميا ويعبره نحو خمس تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم.