آخر الأخبار


هرمز يقلب الطاولة ترامب يهدد بقصف عُمان وإدارته تنقسم: وسيط أم شريك لإيران؟

  • A+
  • A-

 الديرة - الرمادي


دخلت سلطنة عُمان واحدة من أخطر الأزمات في تاريخ علاقتها بالولايات المتحدة، بعدما انتقل غضب الرئيس دونالد ترامب من الضغوط السياسية إلى التهديد الصريح بالقصف، على خلفية مفاوضات تجريها مسقط مع طهران بشأن مستقبل الملاحة في مضيق هرمز، وسط انقسام داخل الإدارة الأميركية بشأن حقيقة الدور العُماني وما إذا كان يمثل فرصة لإنهاء الأزمة أم يمنح إيران مكسبا استراتيجيا لم تستطع انتزاعه بالحرب.

وقال ترامب، في مقابلة مع “فوكس نيوز”، إنه إذا وقفت عُمان في طريق الاتفاق “فسنقصفها”، في تهديد استثنائي لدولة خليجية ترتبط بعلاقات أمنية طويلة مع الولايات المتحدة، ولعبت طوال عقود دور الوسيط الأكثر موثوقية بين واشنطن وطهران.

ولم يكن كلام ترامب زلة عابرة. فالرئيس الأميركي سبق أن وجه تهديدات إلى مسقط في ايار الماضي، فيما كشفت “وول ستريت جورنال” في حزيران أن إدارة ترامب ضغطت على السلطنة لاختيار جانب واضح في المواجهة مع إيران وتقليص علاقاتها بطهران، بعدما بدأ الحياد العُماني الذي تقبلته واشنطن طويلاً يثير الشكوك داخل الإدارة الأميركية.

لكن ما أعاد الأزمة إلى الواجهة هذه المرة هو مضيق هرمز.

فإيران وعُمان، الدولتان اللتان تتقاسمان جغرافيا ضفتي المضيق، دخلتا في مفاوضات لترتيب حركة السفن وإعادة الملاحة، وأعلنت طهران امس الاثنين التوصل إلى تفاهم مع مسقط بشأن “خريطة مسارات” جديدة للسفن، مع استمرار العمل على التفاصيل والبيان المشترك النهائي.

وقال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إن البلدين توصلا إلى تفاهم بشأن خريطة المرور، وإن المناقشات مستمرة لاستكمال الحزمة النهائية. وتدور إحدى الأفكار التي نوقشت خلال المفاوضات حول تنظيم دخول السفن وخروجها عبر مسارات تقع ضمن المياه الإيرانية والعُمانية.

وهنا بدأت واشنطن ترى المشكلة بطريقة مختلفة.

فالولايات المتحدة تريد إعادة الملاحة التجارية الحرة إلى هرمز، لكنها ترفض أن تكون النتيجة اعترافا بحق إيران في تقرير من يعبر المضيق أو تفتيش السفن أو تحصيل رسوم منها. وبالنسبة إلى بعض المسؤولين الأميركيين، فإن اتفاقا يعيد فتح هرمز ولكنه يمنح طهران مثل هذه الصلاحيات يمكن أن يتحول إلى انتصار سياسي إيراني بعد أشهر من الحرب والضغوط العسكرية والاقتصادية.

وكشفت “وول ستريت جورنال” أن هذه النقطة تحديدا قسمت إدارة ترامب. وقالت الصحيفة إن بعض المسؤولين يرون أن عُمان باتت تميل إلى إيران في المفاوضات، بينما يرى مسؤولون آخرون أن علاقتها بطهران هي بالضبط ما يجعلها قادرة على إنجاز التسوية التي تحتاجها واشنطن.

وبحسب الصحيفة، كان ترامب قد بدأ بالفعل إعداد الأرضية السياسية لإعلان انتهاء الحرب إذا أعادت إيران فتح مضيق هرمز بالكامل، حتى إن الرئيس أبدى أمام كبار مساعديه استعدادا لإنهاء الحرب من دون الحصول على اتفاق نووي إذا تحقق هدف فتح المضيق.

لكن الحسابات تغيرت عندما ظهرت إمكانية أن يأتي فتح هرمز عبر اتفاق عُماني-إيراني لا يمنح واشنطن حرية الملاحة بالشروط التي تريدها، بل يكرس لطهران دورا مباشرا في إدارة حركة السفن.

وهذا يفسر جانبا مهماً من غضب ترامب على مسقط.

فالمشكلة الأميركية ليست أن عُمان تتحدث مع إيران؛ واشنطن نفسها اعتمدت على هذه القناة طوال سنوات، وإنما في الخشية من أن تتحول الوساطة إلى تفاهم ثنائي بين الدولتين المشاطئتين للمضيق، ثم تجد الولايات المتحدة نفسها أمام أمر واقع يتعين عليها قبوله لإنهاء أزمة الملاحة.


ورأت الباحثة إليزابيث براو، الزميلة في المجلس الأطلسي والمتخصصة في الأمن والاقتصاد الجيوسياسي، الاتفاق المحتمل بين إيران وعُمان باعتباره تطوراً مهماً لأنه لا يتعلق بمجرد إعادة السفن إلى البحر، وإنما بالقواعد التي ستحدد كيفية دخولها إلى المضيق ومن يمتلك سلطة تنظيم هذا المرور.

أما لاندون ديرنتز، المسؤول السابق في البيت الأبيض والباحث في المجلس الأطلسي، فيرى أن واشنطن ينبغي ألا تجعل فتح هرمز بأي ثمن محور استراتيجيتها. وقال إن إيران تستنزف تدريجيا قيمة المضيق كورقة ضغط، لأن تعطيل الملاحة يدفع الدول وشركات الطاقة إلى البحث عن بدائل ومسارات أخرى، مضيفا أن المصلحة الأميركية طويلة الأمد تكمن في جعل قدرة إيران على إغلاق هرمز أقل أهمية بالنسبة إلى الاقتصاد العالمي.

لكن ترامب يتعامل مع القضية بمنطق أكثر مباشرة: لا يريد فقط عودة السفن، وإنما عودتها من دون أن تستطيع طهران الادعاء بأنها فرضت قواعد جديدة على أهم ممر نفطي في العالم.

وهذا يضع السلطنة في مأزق غير مسبوق.

فمسقط لا تستطيع التعامل مع إيران باعتبارها خصما بعيدا. البلدان يتقابلان عند المضيق، وإيران قوة عسكرية كبيرة تستطيع التأثير مباشرة في أمن عُمان والخليج والملاحة البحرية. وفي المقابل، لا تستطيع السلطنة تحمل مواجهة مع الولايات المتحدة التي تمثل شريكاً أمنياً وعسكرياً أساسياً لها.

لهذا بنت عُمان طوال عقود سياستها على عدم الاختيار بين الطرفين. احتفظت بعلاقات وثيقة مع واشنطن، وأبقت أبواب طهران مفتوحة، وتحولت نتيجة ذلك إلى قناة سرية وعلنية استخدمها الطرفان كلما انهارت الاتصالات المباشرة.

لكن الحرب الحالية بدأت تجعل هذه المعادلة أكثر صعوبة.

فالولايات المتحدة تريد من عُمان منع إيران من تحويل قوتها العسكرية في هرمز إلى سلطة سياسية دائمة، فيما تريد طهران من مسقط التعامل معها بوصفها الدولة التي لا يمكن تنظيم الملاحة في المضيق من دون موافقتها.

ووصل القلق من تهديد ترامب إلى الكونغرس. وقال السيناتور الديمقراطي تيم كين إنه سيقدم قراراً بموجب قانون صلاحيات الحرب لمنع الرئيس من شن عمليات عسكرية ضد عُمان من دون موافقة الكونغرس، ووصف السلطنة بأنها “حليف للولايات المتحدة”، معتبراً أن تهديد العلاقة معها بسبب الحرب الإيرانية تصرف بالغ الخطورة.