آخر الأخبار


نفوذ ممتد وعقود مشبوهة.. منظمة بدر في وزارة النقل.. ونور زهير يتخطى تعاقب الوزراء

  • A+
  • A-

 الديرة - الرمادي

بين خطوط جوية ما تزال تنتظر رفع الحظر الأوروبي، وسكك عاجزة عن استيعاب حاجة العراقيين، وعقود بمليارات الدولارات تلاحقها الشبهات، تختصر وزارة النقل سنوات من الوعود التي لم تتحول إلى خدمات توازي حجم الأموال والإمكانات.


وخلف هذا المشهد، بقي نفوذ منظمة بدر حاضراً داخل الوزارة، فيما تبدلت الحكومات والوزراء وتغيرت الأسماء، من دون أن تتغير المشكلات المتراكمة في إداراتها وشركاتها.


ومع كل تغيير وزاري، كانت الواجهات تتبدل، لكن شبكات المصالح والمناصب والعقود تحتفظ بمواقعها، حتى عاد اسم نور زهير ليظهر في ملفات الوزارة، مثيراً تساؤلات عن الجهات التي منحته هذا النفوذ وأبقت أبواب النقل مفتوحة أمامه.


وفي هذا السياق، وجّهت النائب عن حزب تقدم مها محمود العلواني انتقادات حادة إلى استمرار نفوذ منظمة بدر داخل وزارة النقل، محذرة من امتداد نفوذ نور زهير إلى مفاصل الوزارة ودوائرها.


وكتبت العلواني: "منذ سنوات ووزارة النقل ساحة نفوذ ثابتة لمنظمة بدر، تتبدل الحكومات والوزراء، وتتغير الأسماء مع كل دورة انتخابية، بينما يتعاظم نفوذ المدان الهارب نور زهير، ويمد أذرعه لتتحكم بمفاصل الوزارة ودوائرها، ليتواصل مسلسل الهدر والفساد فيها".


وأضافت: "حان الوقت لوقفة جادة تضع حداً لهذا العبث، وتوقف استنزاف المال العام، وتفتح ملفات وزارة النقل بلا خطوط حمراء، لمحاسبة كل من تسبب بهدر أموالها، أو جعلها رهينة لإرادة الفاسدين والمدانين قضائياً".


وتدير وزارة النقل قطاعات استراتيجية تشمل الخطوط الجوية العراقية والموانئ والسكك الحديدية والنقل البري والبحري والخاص، فضلاً عن إشرافها على مشاريع بمليارات الدولارات، بينها ميناء الفاو وطريق التنمية وتطوير المطارات والسكك.


وبلغت تخصيصات الوزارة خلال السنوات الماضية أكثر من 26 تريليون دينار، ذهب معظمها إلى النفقات الاستثمارية، إلا أن حجم الإنفاق لم ينعكس بالمستوى نفسه على كفاءة منظومة النقل أو جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.


وفي قطاع الطيران، ما تزال الخطوط الجوية العراقية تعاني آثار الحظر الأوروبي بسبب عدم استيفاء متطلبات السلامة، رغم الوعود المتكررة برفعه والتعاقد مع شركات ومكاتب استشارية دولية.


وتقر الوزارة بوجود تحديات تتعلق بالصيانة وتأهيل الطواقم والاستقرار الإداري ومراقبة سلامة التشغيل، ما يؤكد أن شراء طائرات جديدة لم يكن كافياً لإصلاح الإدارة أو استعادة الثقة الكاملة بالناقل الوطني.


أما السكك الحديدية، فما تزال بعيدة عن أداء دورها المطلوب في نقل المواطنين والبضائع، إذ لم يتجاوز عدد مستخدمي القطارات في أحدث الإحصاءات الرسمية ربع مليون مسافر تقريباً، وهو رقم محدود مقارنة بعدد سكان العراق وحاجته إلى شبكة نقل جماعي واسعة.


كما تراجعت كمية البضائع المنقولة عبر القطارات خلال أربعة أعوام من نحو مليون و300 ألف طن إلى أقل من نصف مليون طن، بالتزامن مع انخفاض الإيرادات وتوقف بعض القطارات وتعطل أجزاء من الشبكة.


ولا تعني هذه المؤشرات غياب المشاريع بالكامل، فقد شهدت الوزارة شراء طائرات وإعادة تشغيل بعض خطوط السكك وتحقيق تقدم في ميناء الفاو، لكن تلك الخطوات لم تتحول حتى الآن إلى منظومة نقل متكاملة وآمنة وحديثة توازي الأموال المرصودة والإمكانات التي يمتلكها العراق.


وتضع هذه الحصيلة منظمة بدر أمام مسؤولية سياسية عن أداء الوزارة خلال الفترات التي خضعت فيها لنفوذها، إذ لا يمكن تقديم الاحتفاظ بحقيبة استراتيجية لسنوات بوصفه نجاحاً من دون خدمات حديثة ونتائج ملموسة تنعكس على حياة المواطنين.


نور زهير.. حضور يتجاوز ملف الضرائب

عاد اسم نور زهير إلى واجهة وزارة النقل بعد اتهامات نيابية بارتباط شركات محسوبة عليه بعقود داخل عدد من تشكيلاتها، وفي مقدمتها مشروع تأهيل خطوط السكك الحديدية.


وتحدث نواب عن عقد تبلغ قيمته نحو 22.5 مليار دولار مع تحالف يضم شركات "دايو" و"النحالة" و"المها"، مؤكدين وجود ارتباط بين إحدى الشركات ونور زهير، المتهم الرئيس بقضية الأمانات الضريبية.


وطالب النواب بكشف الملكية الحقيقية للشركات والجهات المستفيدة من العقد، فضلاً عن تحديد المسؤولين الذين وافقوا على منحها مشروعاً استراتيجياً بهذه القيمة.


وفي المقابل، أكدت الحكومة السابقة أن العقد لم يُوقّع بصيغته النهائية ولم تُصرف بموجبه أموال، وأنه أُوقف بعد ملاحظة تضخم قيمته، فيما نفت وزارة النقل وجود هدر أو فساد، قبل أن تقرر الحكومة الحالية إلغاء المشروع.


ويرتبط نور زهير بالقضية المعروفة بـ"سرقة القرن"، المتعلقة بسحب نحو 3.7 تريليون دينار من الأمانات الضريبية، قبل صدور حكم غيابي بسجنه عشر سنوات واستعادة جزء من الأموال، مع استمرار إجراءات ملاحقته واسترداده.


لكن الاتهامات بشأن نفوذه داخل وزارة النقل ما تزال بحاجة إلى تحقيق شامل يكشف الشركات المرتبطة به، والعقود التي حصلت عليها، والجهات التي سهّلت عملها، وما إذا كانت قد واصلت نشاطها بعد فتح قضيته.


ملفات تصل إلى القضاء

وتعززت الشكوك بشأن طريقة إدارة الوزارة بعد توقيف مدير مكتب وزير النقل وضابط عمليات الطيران، على خلفية التحقيق في قضية إعادة طائرة تابعة للخطوط الجوية العراقية.

وتطرح هذه التطورات تساؤلات بشأن منظومة اتخاذ القرار داخل الوزارة، ومدى خضوع القرارات الفنية والتجارية للمعايير المهنية، فضلاً عن دور الرقابة الداخلية في اكتشاف المخالفات ومنعها قبل وصولها إلى القضاء.


وزارة للدولة أم حصة حزبية؟

بعد سنوات من نفوذ بدر داخل وزارة النقل، لم يعد السؤال متعلقاً بهوية الوزير، بل بالحصيلة التي انعكست على المواطن: خطوط جوية ما تزال تواجه الحظر الأوروبي، وقطارات محدودة الخدمة، وعقود مليارية تحيط بها الشبهات، ومشاريع تُلغى بعد سنوات من الجدل.


وتكمن المشكلة في تحويل الوزارة من مؤسسة خدمية إلى حصة سياسية، وربط إداراتها وشركاتها بتوازنات الأحزاب بدلاً من الكفاءة والتخصص والمحاسبة، ما منح شبكات المصالح فرصة للبقاء رغم تغيّر الحكومات والوزراء.


ولا ينبغي أن تبقى تصريحات العلواني في إطار الانتقاد الإعلامي، بل يفترض أن تتحول إلى تحرك نيابي مدعوم بالوثائق، يكشف عقود الشركات المرتبطة بنور زهير وأسماء المستفيدين منها والجهات التي أجازت التعاقد معها.


كما تتطلب المساءلة نشر نتائج التحقيقات المتعلقة بعقد السكك وقضية إعادة الطائرة، ومراجعة التعيينات والمناصب العليا وآليات إحالة المشاريع داخل جميع تشكيلات الوزارة.


فوزارة النقل ليست ملكاً لبدر أو لأي حزب آخر، وموانئ العراق وطائراته وسككه ليست استحقاقات سياسية. وبعد سنوات من الأموال والعقود والوعود، لم يعد مقبولاً أن يتغير الوزير فيما تبقى الإدارة ذاتها، وتتبدل الواجهات بينما يستمر النفوذ وتبقى الخدمات دون مستوى طموح العراقيين.