الديرة - الرمادي
يرصد الدكتور ظافر العاني مفارقة استقرار الوقود والكهرباء في الأردن، مقابل الأزمات التي تعيشها دول نفطية، معتبراً أن الإدارة الناجحة والتخطيط السليم هما أساس نجاح الدول.
وأدناه نص المقال:
لي في عمان صديق عراقي مقيم هناك منذ سنوات بعيدة وكلما زرت عمان نلتقي سوية. هو أستاذ الإدارة المتمرس في إحدى جامعاتها العريقة .
أثناء لقاءاتنا الممتدة، ما أبديت مرةً إعجابي بما أراه في المملكة من حسن النظافة ودقة سير الحياة العامة حتى يقول لي جواباً جاهزاً حفظته من كثرة ما يردده لي .
إنها الإدارة الجيدة يا دكتور، ولا سبب آخر .
وأنا أقول له بأنك تنحاز لتخصصك العلمي وتحاول أن تنسب كل خطأ أو صواب للإدارة .
فيرد نافياً التهمة: بل هي الإدارة الناجحة والتخطيط السليم وأتحداك لو وجدت سبباً آخر .
منذ يومين وبينما أنا في عمان، انتبهت لظاهرة تلفت النظر في أيامنا هذه، وهي أن محطات البنزين ويسمونها الأردنيون "الكازية" تكاد تكون فارغة، فلا زحام عليها، ولا زيادة في أسعارها، وأجرة التاكسي في الأردن ماتزال هي الأرخص من كل الدول التي زرتها ولاينافسها في زهدها إلا مصر.
ولكن، لماذا أقول أنها ظاهرة ملفتة. لأن دولا نفطية كبيرة ومهمة من بينها العراق وإيران وسوريا فيها مشكلة وقود حقيقية هذه الفترة، وقد وصلت لحد الاضطرابات الشعبية إحتجاجاً على شحة البنزين وارتفاع أسعاره.
وفي الأردن كذلك لاتنقطع الكهرباء لا في العاصمة ولا حتى في أبعد قرية نائية رغم أن معظم وقود محطاتها تشتريه من الدول التي تشكو الى الآن انقطاعا في الكهرباء يمتد الى اكثر من نصف ساعات النهار وغاطسة في المعمعة مابين الكهرباء الوطنية من جهة واصحاب المولدات من جهة أخرى .
بالأمس كنت أناقش سائق الأوبر عن الكهرباء المنزلي قال لي انه والكثيرون غيره استغنوا عن الكهرباء الحكومية واستبدلوها بالألواح الشمسية وصار يستفيد منها في شحن سيارته الكهربائية ويبيع الكهرباء الزائد عن حاجته إلى الدولة .
_تبيع الكهرباء. سألته باستغراب، فقد تخيلته يقول نكتة.
_ نعم أبيع الكهرباء للدولة ولست وحدي في ذلك بل مئات آلاف البيوت، فالكهرباء الزائدة من الألواح الشمسية تشتريها منا الدولة .
نقلت هذه المعلومة لصديقي أستاذ الإدارة المتمرس فاجابني من جديد : انها الادارة الجيدة يادكتور وسلامة التخطيط ألم أقل لك ذلك سابقاً .
دار هذا الحديث بيننا عندما كان يقود سيارته التي تعمل بالوقود وقد أردت أن التقط صورة عن قرب لإحدى الكازيات لأحتفظ بها دليلا على الإدارة الناجحة، فوقفنا قبالة أحدها وكانت فارغة تماما، وبقيت انتظر دقائق فلم تأتِ ولاسيارة واحدة لملء خزانها بالوقود، فما كان مني إلا أن طلبت من صديقي ان يقف هو ليملأ سيارته بالوقود لكي تبدو الصورة أكثر واقعية ولا يتهمني أحد بالمجاملة او المبالغة .
امتثل لرأيي ووقف في المحطة أمام جهاز التعبئة لالتقاط الصورة وهو يثني على حسن الإدارة وأن الأردن لم تشهد يوما ما شحةً أو نقصاً في أية سلعة مما يحتاجه الأردنيون لأنهم يعرفون كيف يخططون لحياتهم قبل أن تداهمهم الأزمة وهم ناجحون في الإدارة الحديثة .
استغربت من كلامه لأنه يكاد يكون من القلة الذين ماتزال سيارته تعمل بالوقود.
فبادرته بالاستفهام :
وانت لماذا لم تجعل سيارتك كهربائية ولم تجهز شقتك بالألواح الشمسية ؟ أليست هذه من حسن الإدارة التي "خبصتني" بها .
قال لي من دون تكلف: ربما لأني قضيت عمري أشرح عن الإدارة الجيدة فلم يبق لي وقت أطبقها على نفسي.