الديرة - الرمادي
“ماعندك بيت يعني ماعندك وطن”. بهذه العبارة اختصرت إحدى العراقيات قصتها بعدما وضعت، بحسب روايتها، 23 مليون دينار جمعتها خلال سنوات من العمل في شراء قطعة أرض بمنطقة المكاسب غربي بغداد، على أمل التخلص من الإيجار وبناء مكان تستطيع أن تسميه بيتا، قبل أن تكتشف أن الأرض التي لم تكمل حتى تسديد ثمنها دخلت ضمن مشروع استثماري يهدد بخسارتها.
ولم تعد القصة حالة فردية، فقد خرج أهالي منطقة المكاسب في الرضوانية، قرب مطار بغداد، في تظاهرة احتجاجية رفضا لإجراءات تتعلق بأكثر من خمسة آلاف دونم من الأراضي الزراعية ومنحها لمستثمر، مطالبين الحكومة والجهات المعنية بالتدخل وحماية حقوق السكان.
وتكشف الاحتجاجات عن واحدة من أكثر مشكلات السكن تعقيدا في بغداد، إذ أن مناطق كاملة نشأت فوق أراض ما زال جنسها في السجلات “زراعيا”، فيما تحولت واقعا إلى أحياء وقرى سكنية تباع فيها القطع وتُبنى المنازل وتصل إليها الكهرباء والمياه والمولدات والإنترنت وتعمل فيها المكاتب العقارية منذ سنوات.
وتظهر إعلانات عقارية منشورة حتى الأسابيع الأخيرة استمرار بيع قطع في المكاسب بوصفها “طابو زراعي - سند 25”، وبعضها بمساحات صغيرة لا علاقة لها عمليا بالنشاط الزراعي، وهو ما يكشف وجود سوق عقارية سكنية فعلية نشأت واستمرت أمام مؤسسات الدولة، رغم بقاء الوصف القانوني للأرض زراعيا.
وهنا تبدأ المشكلة التي تتجاوز المكاسب إلى مناطق واسعة من بغداد والعراق.
فالمواطن الذي اشترى أرضا زراعية بعقد أو مكاتبة لا يمتلك بالضرورة المركز القانوني نفسه الذي يمتلكه صاحب العقار المسجل باسمه أصوليا في التسجيل العقاري، وقد تكون قدرته على مواجهة المالك الأصلي أو الدولة أو المستثمر محدودة تبعا لطبيعة السند والقطعة وحقوق التصرف المسجلة عليها.
لكن ضعف المركز القانوني للمشتري لا يجيب وحده عن السؤال الأكبر: أين كانت الدولة طوال السنوات التي تحولت خلالها الأراضي الزراعية إلى أحياء، وقسمت إلى قطع صغيرة، وبيعت وشيدت عليها البيوت واستقرت فيها العائلات؟
بل إن الدولة نفسها أقرت بوجود هذه الظاهرة وحاولت معالجتها، فقد فتح قرار مجلس الوزراء رقم 320 لسنة 2022 طريقا لتحويل الأراضي الزراعية المملوكة للدولة والمشيدة عليها مجمعات سكنية نظامية إلى أراض سكنية وتمليكها لشاغليها وفق شروط وإجراءات محددة، بينها ألا تتعارض الأرض مع مشاريع النفع العام.
وواصلت الحكومة لاحقا البحث عن آليات لتغيير جنس الأراضي من زراعي إلى سكني لمعالجة أزمة السكن، ما يعني أن التعامل الرسمي مع هذه التجمعات لم يعد قائما حصرا على فكرة “إزالة التجاوز”، بل انتقل في حالات محددة إلى الاعتراف بواقع عمراني نشأ بالفعل ومحاولة تنظيمه قانونيا.
ووصل هذا التحول إلى القضاء أيضا، إذ صدرت في 2026 أحكام تعاملت مع أراض فقدت عمليا صفتها الزراعية بعدما تحولت إلى أحياء سكنية وشملتها إجراءات قرار 320، بما يؤكد أن الفاصل بين “الأرض الزراعية” في السجل و”الحي السكني” على الأرض أصبح مشكلة قانونية وعمرانية قائمة بذاتها.
ويقول مراقبون إن قضية المكاسب تضع الحكومة أمام اختبار يتجاوز صحة إجراءات المستثمر نفسه، فهل تتحمل العائلات وحدها كلفة فوضى عقارية سمحت مؤسسات الدولة باستمرارها سنوات، ثم يطلب منها المغادرة عندما ترتفع القيمة الاستثمارية للأرض؟
ويضيف المراقبون أن الحل لا يفترض بالضرورة إلغاء الاستثمار، كما لا يمكن أن يكون بإزالة الناس وتركهم أمام خسائرهم، إنما يبدأ المسار الأكثر وضوحا بنشر جميع الوثائق المتعلقة بالمشروع، وتحديد الملكيات والحقوق التصرفية قطعة قطعة، وإجراء جرد رسمي للمساكن والمشيدات والأموال المدفوعة، وفرز من يمتلك حقا قانونيا أو تصرفيا عمن اشترى بمكاتبات خارجية، ثم تحديد إمكانية شمول المناطق المبنية بقرارات تغيير جنس الأرض أو التعويض أو إعادة التوطين وفق المركز القانوني لكل حالة.