الديرة - الرمادي
دخل سعر صرف الدينار مجددا دائرة القرارات الاقتصادية الحساسة في العراق، مع ظهور معلومات أكثر جدية عن دراسة اعتماد 1500 دينار للدولار الواحد في موازنة 2027 بدلا من السعر الرسمي الحالي البالغ 1300 دينار، في خطوة تعني، إذا أقرت، خفض قيمة العملة العراقية بنحو 13 بالمئة أمام الدولار.
ولم يعد الحديث محصورا بتسريبات مجهولة، بعدما قالت عضو اللجنة المالية النيابية ديلان غفور إن مسودة موازنة 2027 تتضمن احتساب الدولار عند 150 ألف دينار لكل 100 دولار، مشيرة إلى أن الرقم ورد ضمن التفاصيل التي نوقشت مع وزير المالية فالح الساري.
وأضافت غفور أن المقترح لا يمثل قرارا نهائيا حتى الآن، إذ ما زال يحتاج إلى إقرار مجلس الوزراء ومجلس النواب، فيما نفى مصدر في البنك المركزي تثبيت سعر 1500 دينار رسميا، ما يعني أن الرقم أصبح خيارا مطروحا داخل عملية إعداد الموازنة، لكنه لم يتحول بعد إلى سياسة نقدية نافذة.
وتكتسب هذه المعلومات أهمية إضافية لأنها تأتي بعد أشهر من نفي رسمي متكرر لأي تغيير في قيمة الدينار. ففي حزيران الماضي نفى البنك المركزي وثيقة متداولة تحدثت عن رفع الدولار إلى 1600 دينار، وقال إنها مزورة، ثم عاد في أيلول ليؤكد أن السعر الرسمي لم يتغير وأن الحديث عن رفعه لا يستند إلى قرار صادر عنه.
لكن الفارق هذه المرة أن الحديث يتزامن مع وصول إعداد موازنة 2027 إلى مراحله المتقدمة، ومع أزمة مالية أصبحت أرقامها ظاهرة في حسابات الدولة نفسها.
وأظهرت بيانات وزارة المالية حتى نهاية تموز 2026 أن الإيرادات العامة بلغت نحو 39.1 تريليون دينار، مقابل إنفاق تجاوز 65.4 تريليونا، أي بفجوة تقارب 26.3 تريليون دينار خلال سبعة أشهر فقط.
وبلغت رواتب الموظفين وحدها نحو 35.9 تريليون دينار، فيما اقترب الإنفاق على الرعاية الاجتماعية من 16 تريليونا، ما يعني أن الرواتب والرعاية الاجتماعية معا تجاوزتا 51 تريليون دينار، أي أكثر من مجمل الإيرادات التي حصلت عليها الدولة خلال الفترة نفسها.
ويفسر هذا الاختلال جانبا مهماً من التفكير بسعر صرف جديد.
فالعراق يبيع النفط بالدولار، لكنه يدفع الجزء الأكبر من رواتبه ونفقاته الداخلية بالدينار. وكل دولار تحصل عليه وزارة المالية يمنحها حاليا نحو 1300 دينار، بينما سيمنحها 1500 دينار إذا تم تخفيض قيمة العملة.
وبحساب مباشر، فإن الانتقال من 1300 إلى 1500 دينار يزيد عدد الدنانير التي تحصل عليها الخزينة مقابل الإيراد الدولاري نفسه بأكثر من 15 بالمئة، من دون بيع برميل نفط إضافي ومن دون فرض ضريبة جديدة.
وقالت غفور إن اعتماد السعر المقترح يمكن أن يضيف نحو 20 تريليون دينار إلى إيرادات الموازنة، وهو رقم يوضح جاذبية هذا الخيار بالنسبة لوزارة المالية في لحظة تواجه فيها الدولة فجوة كبيرة بين الإيرادات والنفقات.
وتشير المعلومات المتداولة عن المسودة إلى موازنة تتجاوز 200 تريليون دينار، مع اعتماد سعر نفط يقارب 58 دولارا للبرميل، فيما تحدثت تقديرات نيابية عن عجز كبير سيبقى واحدا من أعقد ملفات الموازنة المقبلة.
ولا تبدو المشكلة مؤقتة بالكامل. فقد حذر صندوق النقد الدولي سابقا من أن التوسع الكبير في الإنفاق الحكومي وتضخم فاتورة الرواتب والتقاعد جعلا المالية العراقية أكثر حساسية لانخفاض أسعار النفط، وقدّر أن سعر النفط اللازم لمعادلة الموازنة العراقية ارتفع إلى نحو 84 دولارا للبرميل في 2024.
وتشير المعطيات المتوافرة حتى الآن إلى أن تغيير سعر الصرف أصبح خيارا حقيقيا على طاولة موازنة 2027 وليس مجرد شائعة، لكن اعتماد 1500 دينار تحديدا لم يُحسم بعد.
ويبدو أن العامل الذي سيرجح القرار لن يكون سعر الدولار في السوق وحده، بل حجم العجز الذي ستنتهي إليه الموازنة، وسعر النفط المفترض، وحجم الإنفاق الذي تستطيع الحكومة فعليا تخفيضه.