الديرة - الرمادي
تتجه الأنظار في البلاد إلى نقاشات داخلية حساسة تشهدها حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي، تتعلق بإمكانية إعادة النظر في سعر صرف الدينار العراقي مقابل الدولار الأميركي، في خطوة قد تكون الأخطر منذ سنوات على الواقع الاقتصادي والاجتماعي للعراقيين.
ووفق ما كشفته مصادر حكومية مطلعة لصحيفة "العالم الجديد"، وتابعه تلفزيون "الديرة"، فإن هذه النقاشات تتجاوز ملف طباعة العملة الذي أثير سابقاً، لتصل إلى مقترحات أكثر جذرية تهدف إلى توفير إيرادات دينارية إضافية لمواجهة أزمة السيولة وتأمين رواتب الموظفين، وسط تحذيرات من تداعيات اقتصادية واجتماعية واسعة.
أرقام على الطاولة
أفادت المصادر ، بأن الحكومة تدرس عدة سيناريوهات لتعديل سعر الصرف الرسمي، أحدها يقترح رفع سعر الدولار إلى 1600 دينار، بينما تذهب مقترحات أخرى إلى مستويات أعلى قد تبلغ 1700 دينار، وسط أصوات أكثر تشدداً تطرح سقفاً يصل إلى 2000 دينار للدولار الواحد.
وبحسب المصادر، يهدف هذا التوجه إلى تعزيز موارد الخزينة العامة بالعملة المحلية عبر تحويل عوائد النفط المقومة بالدولار، بما يخفف الضغط عن الموازنة ويؤمن الالتزامات التشغيلية للدولة، وفي مقدمتها فاتورة الرواتب.
وفي السياق نفسه، شهدت الأسواق المحلية حركة صعود ملحوظة في أسعار الصرف غير الرسمية، حيث سجلت بورصتا الكفاح والحارثية في بغداد صباح السبت معدل 154,750 ديناراً لكل 100 دولار، مقارنة بـ154,600 دينار يوم الخميس الذي سبقه، في حين تراوحت أسعار البيع والشراء في محال الصرافة بين 154,250 و155,250 ديناراً لكل 100 دولار.
رفض عالي المستوى
في المقابل، تكشف المصادر عن موقف متشدد لمحافظ البنك المركزي العراقي علي العلاق، الذي يرفض بشكل قاطع أي توجه لتعديل سعر الصرف، ويهدد بتقديم استقالته في حال تصاعدت الضغوط عليه أو أُجبر على اتخاذ قرار من هذا النوع.
وتشير المصادر إلى أن صلاحية تحديد سعر الصرف تعود دستورياً للبنك المركزي بوصفه مؤسسة مستقلة، وهو ما يجعل أي تعديل محتمل مرهوناً بتوافقات سياسية ومالية ونقدية معقدة لم تُحسم بعد.
كما تتحدث المصادر عن وجود اعتراضات داخل المؤسسات المالية على أي خطوة من هذا النوع، نظراً لتأثيراتها المحتملة على الأسواق المحلية ومستويات الأسعار، فضلاً عن تأثيرها المباشر على ثقة الجمهور بالعملة الوطنية.
المواطن الضحية الأكبر
من جانبه، يرى أستاذ الاقتصاد الدولي نوار السعدي، في تصريحات للصحيفة، أن أي نقاش حول رفع سعر الصرف إلى 1600 دينار أو أكثر يجب أن يُبنى على أساس اقتصادي رصين بعيداً عن ردود الفعل السريعة.
ويوضح أن خفض قيمة العملة قد يوفر إيرادات دينارية إضافية للحكومة، لكنه لا يعالج جذور الأزمة المالية، بل ينقل عبئاً كبيراً منها إلى المواطنين، خصوصاً في بلد يعتمد بشكل كبير على الاستيراد، حيث ستنعكس أي زيادة في سعر الصرف مباشرة على أسعار السلع والخدمات وتُضعف القدرة الشرائية للأسر، لا سيما ذوي الدخل المحدود.
ويستشهد السعدي بتجربة تعديل سعر الصرف نهاية عام 2020، التي عززت إيرادات الحكومة بالدينار لكنها ترافقت مع موجة غلاء أثرت على معيشة المواطنين، محذراً من أن اعتبار رفع سعر الصرف “حلاً سحرياً” للأزمة المالية هو تبسيط مخل لمشكلة أعمق. كما يعتبر أن طباعة العملة لتمويل العجز خيار أكثر خطورة لأنه يرفع الكتلة النقدية دون زيادة مقابلة في الإنتاج، مما يهدد بتفاقم التضخم.
ويقترح السعدي بدائل أكثر واقعية، تشمل ترشيد الإنفاق العام، وضبط فاتورة الرواتب والتعيينات الجديدة، وتحسين الجباية الضريبية والكمركية، وتنشيط القطاعات غير النفطية، وإصلاح الشركات العامة لتقليل نزيف الخسائر.
ويحذر من أن اتساع الفجوة بين السعر الرسمي والموازي قد يغذي المضاربات ويضر بثقة المواطنين بالدينار، خاصة في غياب الوضوح والتدرج في القرار. ويختم بالتأكيد أن استقرار سعر الصرف ليس هدفاً بذاته، بل أداة لحماية الاستقرار الاقتصادي، وأن أي قرار بشأنه يجب أن يكون جزءاً من برنامج إصلاح شامل لا وسيلة سريعة لتجاوز ضغوط مالية مؤقتة، وسط استمرار الجدل حول أفضل السبل لمعالجة أزمة تتجذر في طبيعة الاقتصاد الريعي واعتماد الدولة على العوائد النفطية.