الديرة - الرمادي
أعاد توصيف بعض المناطق السنية بأنها “رخوة أمنيا” إلى الواجهة جدلا يتجاوز خطر تنظيم داعش نفسه، بعدما أصبح هذا التوصيف يستخدم في بعض الخطابات لتبرير استمرار الحاجة إلى قوى مسلحة خارج المؤسسة العسكرية والأمنية الرسمية.
ويقول الباحث في الشؤون الأمنية والسياسية سيف السعدي إن داعش لن يعود للسيطرة على المدن بالطريقة التي حدثت عام 2014، وإن التنظيم يحاول بين فترة وأخرى تنفيذ خروقات محدودة لإرسال رسالة بأنه ما زال موجودا، من دون أن يمتلك القدرة على إحداث التحول العسكري الذي أحدثه قبل أكثر من عقد.
ويضيف السعدي أن المعادلة العسكرية تغيرت في العراق وسوريا، فالحدود أصبحت أكثر رصانة والتبادل الاستخباري ارتفع إلى مستويات متقدمة، فيما تغيرت المعادلة السورية نفسها وأصبحت السلطات هناك في مواجهة مباشرة مع داعش.
ويشير إلى أن العراق يمتلك اليوم جهاز مكافحة إرهاب أكثر خبرة وجيشا أكثر قوة وتماسكا، إلى جانب جهازي المخابرات والأمن الوطني اللذين راكما خبرة واسعة في ملاحقة الشبكات والخلايا، فضلا عن غياب الحاضنة الاجتماعية التي استفاد منها التنظيم في الظروف الاستثنائية التي سبقت سقوط الموصل عام 2014.
وتدعم التقديرات الأمنية الدولية هذه القراءة، إذ تشير تقديرات القيادة المركزية الأميركية إلى تقلص داعش في العراق وسوريا إلى مجموعات محدودة ومتناثرة، مع تراجع كبير في مستوى عملياته مقارنة بالسنوات السابقة، وانتقاله من نموذج السيطرة على الأرض إلى نموذج الخلايا الصغيرة والهجمات المحدودة.
ويشكل هذا الفارق جوهر النقاش الحالي، فوجود خلايا إرهابية يمثل تحديا أمنيا محدودا تتولى مواجهته أجهزة الدولة، بينما تحويل هذا التهديد إلى احتمال دائم لسقوط المحافظات يعيد إنتاج صورة أمنية لم تعد تعكس موازين القوى الحالية.
وتغيرت البيئة التي أنتجت انهيار 2014 أيضا، إذ جاء سقوط الموصل في ظل أزمة سياسية حادة وانهيار واسع داخل قطعات عسكرية وامتلاك داعش عمقاً جغرافياً مفتوحا بين العراق وسوريا وسيطرته على مدن ومساحات واسعة في البلدين.
أما اليوم فقد انتهى ذلك العمق الجغرافي، وفقد التنظيم دولته ومصادر تمويلها ومقارها ومعسكراتها وقدرتها على الحركة العلنية، فيما أصبحت القوات العراقية تمتلك خبرة تراكمت خلال أكثر من عشر سنوات من القتال والعمل الاستخباري وملاحقة قيادات التنظيم وشبكاته.
وتكتسب هذه التحولات أهمية إضافية بعد إنهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي في العراق، وهي خطوة استندت أساسا إلى تقييم قدرة القوات العراقية على تحمل المسؤولية الأمنية وملاحقة ما تبقى من داعش.
وتضع هذه الحقيقة خطاب “المناطق الرخوة” أمام تناقض واضح، فإذا كانت القوات العراقية أصبحت قادرة على إدارة الملف الأمني بعد انتهاء مهمة التحالف الدولي، فإن استمرار تقديم داعش بوصفه خطرا يحتاج إلى قوى مسلحة موازية للدولة يصبح أكثر صعوبة من الناحية الأمنية.
ويؤكد المستشار الأمني لرئيس الوزراء قاسم الأعرجي أن العراق تجاوز مرحلة الحرب العسكرية الواسعة ضد داعش رغم استمرار وجود جيوب إرهابية، وربط المرحلة الجديدة باستكمال سيادة الدولة واحتكارها للسلاح والقرار الأمني.
كما يؤكد الخطاب الرسمي العراقي أن معالجة الخلايا الإرهابية باتت تعتمد بصورة متزايدة على المعلومات الاستخبارية والعمليات النوعية، وليس على الانتشار الواسع لقوى مسلحة متعددة المرجعيات.
ومن هنا يذهب السعدي إلى أن الخطر الحقيقي الذي ينبغي أن يتركز عليه النقاش لم يعد احتمال عودة “دولة داعش”، بل استمرار وجود ما يصفه بـ”الدولة الموازية” وسلاحها خارج إطار الدولة.
ولا تعني هذه المقاربة التقليل من خطر الإرهاب، بل الفصل بين خطرين مختلفين: خلايا إرهابية تطاردها الدولة بأجهزتها العسكرية والاستخبارية، وسلاح منظم لا تحتكر مؤسسات الدولة وحدها قرار استخدامه.
وتصبح المسألة أكثر حساسية عندما يستخدم احتمال عودة داعش لتبرير استمرار هذا السلاح، لأن المنطق نفسه يعني عمليا التشكيك بقدرة الجيش ومكافحة الإرهاب والمخابرات والأمن الوطني والشرطة الاتحادية على حماية الأراضي العراقية، في الوقت الذي تؤكد فيه الدولة أن هذه المؤسسات باتت قادرة على تولي المهمة.
أما وصف مناطق واسعة من المحافظات السنية بأنها “رخوة”، فيتجاهل كذلك التحولات الاجتماعية التي أعقبت تجربة داعش، بعدما دفعت تلك المحافظات الثمن الأكبر من احتلال التنظيم والحرب عليه والنزوح والدمار، وهو ما جعل البيئة المحلية نفسها أكثر حساسية تجاه محاولات التنظيم إعادة بناء شبكاته.
ويقول مراقبون ان التحدي الذي يتقدم اليوم إلى قلب مفهوم الدولة، هو ضمان ألا يكون في العراق قراران للحرب والسلم، ولا قوتان تحتكران استخدام السلاح، ولا دولة رسمية وإلى جانبها دولة موازية.