آخر الأخبار


كيف يصل تأثيرها إلى بغداد؟ اشتعال جبهة اليمن يهز الداخل العراقي

  • A+
  • A-

 الديرة - الرمادي


أعاد التصعيد العسكري في اليمن طرح سؤال يبدو للوهلة الأولى غريباً: كيف يمكن لمعركة تدور على بعد أكثر من ألفي كيلومتر من بغداد أن تتحول إلى ملف عراقي داخلي، يؤثر في السياسة والسلاح والاقتصاد وحتى المزاج الشعبي؟ غير أن طبيعة العلاقات التي نشأت خلال السنوات الأخيرة بين جماعة الحوثي وفصائل عراقية مقربة من إيران تجعل المسافة الجغرافية أقل أهمية مما تبدو عليه، وتحول اليمن من أزمة إقليمية بعيدة إلى إحدى ساحات الضغط التي يمكن أن ترتد نتائجها مباشرة على العراق.

وتصاعدت المواجهة خلال الأيام الأخيرة بعدما شن الحوثيون هجمات واسعة بالصواريخ والطائرات المسيرة على منشآت للطاقة ومدن في جنوب السعودية، بينها مواقع مرتبطة بأرامكو، فيما ردت قوات مدعومة من الرياض بضربات جوية وعمليات داخل اليمن. ونقلت رويترز عن السلطات السعودية أن الهجمات الأخيرة أدت إلى إصابة عشرات الأشخاص وتسببت بحرائق وتعطيل مؤقت لبعض العمليات، في أكبر تصعيد بين الجانبين منذ سنوات.

وتختلف التداعيات العراقية لهذه المواجهة عن تأثيرها في معظم دول المنطقة، لأن العراق لا يقف خارج شبكة الأطراف المنخرطة فيها. ونقلت وكالة أسوشيتد برس عن مسؤولين إقليميين أن مستوى التنسيق بين الحوثيين وفصائل عراقية مقربة من إيران تطور خلال الأشهر الأخيرة من التضامن السياسي والإعلامي إلى أشكال من التعاون العملياتي، وقالت إن الحوثيين ساعدوا مجموعات عراقية في التخطيط لهجمات بطائرات مسيرة استهدفت منشآت سعودية في تموز الماضي. ويجعل هذا التطور العراق جزءاً من معادلة المواجهة وليس مجرد دولة تتأثر بنتائجها من الخارج.

ويضع هذا الترابط الحكومة العراقية أمام معادلة شديدة الحساسية، إذ تحاول بغداد في الوقت نفسه تطوير علاقاتها السياسية والاقتصادية مع السعودية وحصر السلاح بيد الدولة ومنع استخدام الأراضي العراقية في صراعات إقليمية، بينما تنظر قوى وفصائل عراقية إلى الحوثيين باعتبارهم جزءا من “محور المقاومة” وتتبنى خطابا متضامنا معهم في مواجهة السعودية والولايات المتحدة.

ويزيد التصعيد اليمني الضغط على ملف السلاح في العراق في توقيت بالغ الحساسية، إذ تواجه الحكومة بالفعل خلافا مع فصائل مسلحة بشأن مهلة 30 أيلول لحصر السلاح، فيما أعلنت مجموعات أنها لا ترى نفسها ملزمة بالتخلي عن أسلحتها قبل تحقق شروط تتعلق بالوجود الأميركي وبالترتيبات الأمنية الإقليمية. ويمكن لأي توسع في الحرب اليمنية أن يقدم لهذه الجماعات مبررا إضافياً للتمسك بالسلاح تحت عنوان مواجهة التهديدات الإقليمية أو مساندة حلفائها.

ويحمل الجانب العسكري خطرا أكبر إذا تحولت “وحدة الساحات” من شعار إلى عمليات متبادلة فعلا، لأن أي مشاركة تنطلق من العراق ضد السعودية أو المصالح الأميركية قد تستدعي ردا على مواقع داخل الأراضي العراقية. وبذلك يمكن لصاروخ أو طائرة مسيرة مرتبطة بمعركة اليمن أن تفتح عمليا جبهة داخل العراق من دون أن تكون الدولة العراقية قد قررت الدخول في الحرب.

ويهدد التصعيد أيضا العلاقات العراقية السعودية التي شهدت خلال السنوات الأخيرة توسعا في التجارة وفتح المنافذ والاستثمارات. ولذلك فإن انتقال المواجهة من مستوى الحوثيين والسعودية إلى مستوى اصطفاف عراقي داخلي ضد الرياض يمكن أن يحول ملفا أمنيا بعيدا إلى مشكلة مباشرة في واحدة من أهم علاقات العراق الاقتصادية العربية.

وتحمل المواجهة في اليمن أسبابا يمنية وسعودية قديمة تتصل بالحرب الداخلية والسيطرة على الأراضي والموانئ والتسوية السياسية، إلا أن توقيتها الحالي ووظيفتها الاستراتيجية يتداخلان بوضوح مع الصراع الإيراني الأميركي الأوسع.

وتكشف خريطة الطاقة سبب هذا الترابط، إذ أدى اضطراب هرمز إلى تقليص قدرة دول الخليج على تصدير النفط من موانئها الشرقية، ودفع السعودية إلى الاعتماد بصورة أكبر على خط الأنابيب المتجه إلى ينبع والبحر الأحمر. ويستطيع الحوثيون، من خلال تهديد باب المندب أو الملاحة السعودية في البحر الأحمر، الضغط على أحد أهم البدائل التي تستخدمها الرياض لتجاوز أزمة هرمز. وهكذا يقع الضغط على ممرين بحريين استراتيجيين على طرفي شبه الجزيرة العربية.

ويجعل هذا الواقع جبهتي هرمز واليمن متداخلتين من ناحية النتائج الاقتصادية والاستراتيجية. فتعطيل هرمز يضغط على الخليج من الشرق، بينما يؤدي اضطراب البحر الأحمر وباب المندب إلى تضييق البدائل من الغرب، وهو ما يرفع أسعار الطاقة وكلفة التأمين والشحن ويزيد حساسية الأسواق تجاه أي هجوم جديد.

ويرفع اجتماع الأزمتين معاً مستوى الخطر الاقتصادي على بغداد، لأن العراق الذي يبحث عن منافذ وطرق بديلة لتقليل اعتماده على الخليج يحتاج إلى بيئة إقليمية مستقرة، فيما يؤدي اضطراب البحر الأحمر والخليج في الوقت نفسه إلى رفع أجور النقل والتأمين وإطالة الرحلات وزيادة كلفة السلع المستوردة. وهكذا يمكن للحرب في اليمن أن تصل إلى المواطن العراقي عبر أسعار السلع والأسواق حتى وإن لم تسقط قذيفة واحدة داخل البلاد.

ويضيف العامل الاجتماعي بعداً عراقيا آخر للمواجهة، إذ يحظى الحوثيون داخل جزء من البيئة السياسية والشعبية العراقية بصورة تختلف عن النظرة إليهم في كثير من الدول العربية، ويقدمهم أنصار محور المقاومة باعتبارهم قوة تواجه الولايات المتحدة وإسرائيل والسعودية. ويمكن لعودة الحرب السعودية الحوثية أن تعيد إنتاج خطاب الاستقطاب داخل العراق، فتتحول أحداث اليمن إلى مادة للتعبئة السياسية والدينية والإعلامية وإلى معيار جديد للانقسام بشأن إيران والسعودية والولايات المتحدة.

ويدفع انتشار صور الضربات والضحايا المدنيين في اليمن بهذا التعاطف إلى مستويات أعلى، خصوصا عندما تقدم المواجهة في الخطاب المتداول باعتبارها “عدوانا سعوديا على اليمن”، بينما يركز الخطاب المقابل على هجمات الحوثيين بالصواريخ والمسيرات ضد المدن والمنشآت النفطية السعودية. ولا يبقى هذا الجدل افتراضيا في الحالة العراقية، لأن الأطراف التي تتبنى هذه المواقف تمتلك أحزابا وفصائل ومنابر إعلامية وقدرة على تحويل الموقف السياسي إلى ضغط على الحكومة أو إلى نشاط ميداني.

ويفتح استمرار الحرب كذلك احتمال انتقال التوتر إلى الشارع العراقي عبر تظاهرات وفعاليات تضامنية وحملات سياسية ومواقف تطالب الحكومة بمساندة الحوثيين أو إدانة السعودية، في مقابل قوى ترى أن مصلحة العراق تكمن في الابتعاد تماما عن المواجهة. ومن شأن هذا الانقسام أن يعيد فتح واحد من أكثر الأسئلة حساسية في العراق: هل تحدد الدولة سياستها الخارجية وقرار الحرب والسلم، أم تستطيع قوى مسلحة وسياسية أن تربط البلاد بصراعات إقليمية من خارج القرار الرسمي؟

ويكشف التطور الأخطر أن العراق واليمن اكتسبا أهمية أكبر داخل شبكة القوى المقربة من إيران بعد تراجع قدرات حلفاء آخرين في المنطقة. وذكرت تقارير غربية وإقليمية أن طهران باتت تعتمد بصورة أكبر على الحوثيين وفصائل عراقية لممارسة الضغط على الولايات المتحدة وحلفائها الخليجيين، وهو ما يجعل أي تصعيد في إحدى الساحتين قابلا للانتقال إلى الأخرى بسرعة أكبر من السابق.