الديرة - الرمادي
تتجه الأنظار في بغداد إلى مفاوضات مع صندوق النقد الدولي بشأن الحصول على دعم مالي، في خطوة تأتي بعد تداعيات الحرب الأخيرة في المنطقة، وتثير جدلاً واسعاً لأنها تبدو متعارضة مع تصريحات حكومية سابقة نفت اللجوء إلى الاقتراض الخارجي.
وبين مؤيد يراها فرصة لتمويل رخيص وآخر يحذّر من كلفتها وشروطها، يبقى السؤال المطروح: ما الذي ستكسبه البلاد وما الذي ستدفعه؟
تفاصيل التفاوض
نقلت رويترز أن مسؤولين عراقيين تواصلوا مع الصندوق لبحث حجم التمويل المطلوب وآلية هيكلة القرض، رغم أن المستشار المالي لرئيس الوزراء مظهر محمد صالح كان قد نفى في أيار الماضي تقديم طلب رسمي.
وأكدت المديرة العامة للصندوق كريستالينا جورجييفا، أمس السبت 17 تشرين الأول، استعداد المؤسسة لتقديم دعم مالي في إطار برنامج طلبته الحكومة العراقية.
في المقابل، كان رئيس الوزراء علي الزيدي قد أعلن قبل أيام أن حكومته لن تلجأ إلى الاقتراض، موضحاً أنها كانت أمام ثلاثة خيارات: رفع سعر صرف الدولار، أو الاقتراض، أو تأخير دفع الرواتب.
ورأى منتقدون أن هذا التصريح كان محاولة لامتصاص الاستياء الشعبي وتبرير قرار رفع سعر الصرف من 1320 إلى 1520 ديناراً للدولار، وهو القرار الذي سبقه نفي رسمي من البنك المركزي لوجود نية لتغيير السعر.
قراءة نقدية
يرى الباحث الاقتصادي زياد الهاشمي أن العراق أول دولة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تطلب هذا الدعم عقب الحرب، معتبراً أن اللجوء إلى الصندوق يفنّد المبررات الحكومية ويكشف ما وصفه بـ"سوء السلوك المالي".
وحذّر من أن القروض مرتفعة الكلفة وتقترن باشتراطات ملزمة، تشمل إعادة ضبط الإنفاق الحكومي وتعظيم الإيرادات، مع احتمال الضغط لرفع الدعم عن قطاعات واسعة الإنفاق، أبرزها الوقود والكهرباء.
وأشار إلى أن آثار هذه الشروط ستظهر تدريجياً بعد استلام الدفعة الأولى، حين تتحول التوصيات إلى التزامات إجبارية.
أما الناشط والمدون السياسي مصطفى الحسني، فركّز على البعد المؤسسي، معتبراً أن ما جرى يكشف غياب سياسة اقتصادية واضحة ومتسقة وشفافة، ومشيراً إلى أن تكرار التطمينات ثم التراجع عنها أربك المواطنين الذين بنوا قراراتهم المالية عليها.
وانتقد الهاشمي كذلك عدم مكاشفة الشارع بالخطوة وأسبابها.
الأرقام والشروط
يقدّم الخبير الاقتصادي نبيل المرسومي قراءة أكثر توازناً، إذ يشير إلى أن الطلب يهدف إلى تغطية عجز فعلي كبير في الموازنة، في ظل ارتفاع الدين الداخلي إلى أكثر من 109 تريليونات دينار، وتراجع احتياطي البنك المركزي الأجنبي إلى 75.6 مليار دولار.
ويبلغ الدين الخارجي الواجب السداد نحو 13 مليار دولار بعد استبعاد ديون حقبة النظام السابق غير المطالَب بها، بينما يصل إجمالي الدين المسجل تاريخياً إلى نحو 54 مليار دولار.
ويرجّح المرسومي أن يحصل العراق على شريحة ائتمانية بقيمة 5.4 مليار دولار، بفائدة لا تتجاوز 1.25%، مقابل أكثر من 10% تفرضها الأسواق بسبب ضعف التصنيف الائتماني، غير أن الصندوق سيطلب إجراءات صارمة، منها الحد من فاتورة الأجور، وترشيد البطاقة التموينية، وتفعيل جباية الكهرباء، وتنويع موارد القطاع غير النفطي.
وأولى الخطوات توقيع رئيس الوزراء وثيقة الإصلاح للسياسات الاقتصادية، التي تمهّد لمناقشة سياسات إعداد الموازنة والدين وسعر الصرف والنفقات والتوظيف.