الديرة - الرمادي
على بُعد أكثر من 400 كيلومتر عن بغداد، وفي عمق الصحراء الغربية، ترقد مدينة الرطبة، تلك المدينة التي تحمل في طياتها من الحكايات والرموز ما يجعلها موضع تأمل ودراسة.
يروي الأكاديمي زهير القيسي:
“كنتُ أنا وزميلي الدكتور عبد الأمير نجري دراسة بعنوان: تأثير الهوية الجغرافية على الدلالات الاسمية. ولأجل ذلك اخترنا الرطبة لتكون ميداننا البحثي.
دخلناها عبر طريق رملي طويل، والصحراء تحاصرنا من كل جانب. سألت زميلي: “إلى أين نحن ذاهبون؟” فأجابني بابتسامة: “سترى بنفسك”.
في الأيام الأولى شعرت بالانزعاج، فالمدينة بعيدة ومعزولة، والخوف كان يرافقني: ماذا لو مرضنا هنا؟ كيف ستكون الحياة في هذا المكان القاسي؟ لكن شيئاً فشيئاً تبدّل كل شيء. فبعد أسبوع من العمل الميداني، والاحتكاك بأهلها الطيبين، وجدتني أتعلق بها حتى صارت قريبة إلى قلبي. ومنذ ذلك الحين، كلما تذكرتها أحنّ إليها. ولهذا أقول: الرطبة ستدخلها باكياً وتخرج منها باكياً، تبكي عند مغادرتها شوقاً لأهلها وصفاء أرواحهم”.
خلال البحث، واجهتنا أسئلة كثيرة حول معنى اسم الرطبة وأصل التسمية. ومن خلال الاستبيانات واللقاءات مع كبار السن، برزت ثلاث روايات رئيسية:
1. الرواية القبلية: تعود إلى قبيلة الرولة من عنزة التي سكنت المنطقة قديماً، وكان فيهم فخذ يُسمّى الرطوب، فارتبط الاسم بالمدينة.
2. الرواية الجغرافية: أن الرطبة كانت أرضاً عامرة بالآبار والعيون، وعندما يهطل المطر يفيض وادي حوران ومساد اللذان يحتضنانها، فتصبح الأرض “رطبة”.
3. الرواية الشعبية الطريفة: أن زوجة شيخ إحدى القبائل القديمة كان اسمها “أرطبة”، وحين تزوج عليها غادرت إلى مكان قرب عيون الماء. فصار أبناؤها وأهلها يذهبون إليها، وإذا سُئلوا أين كانوا؟ أجابوا: “كنا عند أرطبة”. ومع مرور الوقت تحوّل الاسم إلى “الرطبة”.
تتعدد التفسيرات، بين قبيلة وجغرافيا وحكاية شعبية، لكنها جميعاً تكشف أن للاسم جذوراً ضاربة في التاريخ، وأن المدينة تحمل أكثر من وجه وأكثر من معنى.
الرطبة ليست مجرد نقطة بعيدة في الصحراء. إنها تجربة إنسانية عميقة، ومكان يبقى في القلب مهما ابتعدت عنه المسافة.