الديرة - الرمادي
لم يصل مبعوث الرئيس الأميركي، دونالد ترامب إلى بغداد بعد، لكن وقع رسائله الأخيرة كان كفيلاً بخلق ما يشبه الموجة الارتدادية داخل المشهد السياسي في العراق، فمنذ تكليفه بمهمته الجديدة وتفاعله مع ما يحدث في العراق يعيش المشهد العراقي حالة من ”التوتر الصامت”، تتناوب فيها القراءات والتحليلات بين الحذر والقلق، وكأن البلاد تستعد لاستحقاق سياسي جديد، بدأ فعلياً قبل أن تطأ قدما سافايا أرض بغداد.
يدان مختلفتان
منذ نشر سافايا صوراً جمعته بترامب، مرفقة بعبارة ”تلقيت توجيهاتي بشأن العراق”، ارتفعت وتيرة القلق في المؤسسات الرسمية والسياسية العراقية.
اللغة التي استخدمها المبعوث الجديد لم تكن بروتوكولية، بل حملت طابعاً صريحاً يوحي بأن واشنطن تستعد لإعادة ضبط سياستها في العراق، ولاسيما في ملف السلاح خارج سيطرة الدولة.
وبدا الأمر كما لو أن يداً وُضعت على القلوب داخل بغداد تحمل كثيراً من الاسئلة، أي مهمة سيحملها سافايا؟ ولماذا الآن؟ وما معنى هذا التصعيد الهادئ قبل وصوله؟
لكن اليد الأخرى، كما يصفها سياسيون، وُضعت على الزناد داخل أروقة الفصائل المسلحة.
فتغريدة سافايا التي تحدث فيها عن “ملاحقة كل جماعة مسلحة غير قانونية” و“تتبع كل داعم لها” اعتُبرت من جانب تلك الفصائل رسالة تهديد مباشرة، خصوصاً بعد الهجوم الذي استهدف حقل كورمور للغاز.
وتقول مصادر سياسية إن بعض الفصائل ترى في تحرك سافايا محاولة لبناء “معادلة ردع أميركية جديدة” في العراق، تُلغي المساحات الرمادية التي استندت إليها مواد سياسية وأمنية طوال السنوات الماضية.
ثنائية الحكومة وواشنطن
وفي خضم اليد التي تضغط باتجاه الاستقرار، واليد التي تُحذّر من استخدام السلاح، تجد الحكومة نفسها الحالية أو المرتقبة في موقع دقيق.
فهي مطالبة بحماية هيبة الدولة وسيادتها، وفي الوقت ذاته ملزمة بموازنة حساسيات داخلية متشابكة، خصوصاً ما يتعلق بالإطار التنسيقي والفصائل المنضوية فيه.
ويرى الباحث السياسي أحمد الطيب أن رسالة سافايا تزيد من تعقيد الحسابات داخل الإطار، الذي يواجه بحسب الطيب ”تحديات داخلية عميقة”، خصوصاً مع الأحاديث المتزايدة عن دعم واشنطن لولاية ثانية لرئيس الوزراء محمد شياع السوداني، بشرط الالتزام بخارطة محددة أبرزها تفكيك الجماعات المسلحة وإنهاء النفوذ الخارجي.
من جهة أخرى تظهر واشنطن من خلال خطاب سافايا وكأنها تعيد رسم سياستها تجاه العراق على أساس ثنائية واضحة، الدولة مقابل السلاح.
ففي تغريداته، دعا سافايا إلى احترام فصل السلطات، وحماية المؤسسات الرسمية، وتعزيز استقلال القضاء، واعتبر أن العراق “يقف أمام فرصة تاريخية” لفرض النظام وبناء دولة قادرة على جذب الاستثمار والشراكات.
السياسي ليث شبر يرى أن ما تحاول واشنطن فعله “ليس حصر السلاح فقط، بل إعادة تعريف الدولة نفسها”، مشيراً إلى أن العراق لن ينهض ما دامت المؤسسات محكومة بتسويات تعطل القانون وتسمح بتداخل مراكز النفوذ.
تأثير يسبق الزيارة
اللافت أن سافايا، قبل أن يلتقي مسؤولاً عراقياً واحداً، نجح في إثارة أسئلة حادة داخل الطبقة السياسية: هل يسعى إلى فرض معادلة جديدة في العراق؟
هل يضغط لتشكيل الحكومة المقبلة؟
هل يريد تغيير موازين القوى بين الدولة والفصائل؟
المقرب من الإطار التنسيقي المحلل السياسي عباس مهدي يخفف من حجم القلق، مؤكداً أن “سافايا غير معترض على مشاركة الفصائل في الحكومة”، لكنه لا ينفي وجود رسائل ضغط واضحة.
لكن في المقابل أحدثت رسائل مبعوث ترامب ما يشبه الارتجاج السياسي، وأعادت فتح النقاش حول مستقبل الدولة العراقية وموقع السلاح من السياسة.
وبين يدٍ تضعها واشنطن على قلب المشهد، وأخرى تضعها الفصائل على زناد القلق، يقف العراق عند نقطة حساسة ستحدد مسار المرحلة المقبلة، سواء في تشكيل الحكومة أو في رسم قواعد اللعبة بين الدولة والقوى المؤثرة.