الديرة - الرمادي
لم تكن "العَجَل" يومًا مفردة تخص شخصًا أو جماعة عابرة، بل هي مفردة وطنية ضاربة في عمق التاريخ العراقي منذ مئات السنين، وتشكل جزءًا من الإرث اللغوي والثقافي لعدد كبير من المحافظات، ولا سيما محافظات الغرب العراقي.
وقد أسهم هذا التنوع اللهجي، عبر الزمن، في رسم ملامح الجمال في الهوية العراقية، ليكون شاهدًا حيًا على ثراء الثقافة وتعدد المكونات واختلاف الجغرافيا.
إلا أن هذا الإرث يتعرض اليوم لمحاولات تشويه وإقصاء، تقودها شخصيات تتبنى خطابًا ضيق الأفق، من بينها عماد المسافر، الذي ذهب إلى منع تداول هذه المفردة بدوافع طائفية صريحة، في سلوك يعكس ذهنية إقصائية تحاول فرض مزاجها الأيديولوجي على لغة الناس ولهجاتهم، وكأنها تمتلك حق الوصاية على التعبير الشعبي لأبناء الوطن.
وفي مقابل هذا الانحدار في الخطاب، يبرز الفن العراقي من زاوية أكثر إشراقًا وإنسانية، حيث قدّم الفنان وليد الشامي، ابن المدينة، واحدة من أجمل أغانيه "هذا حبيبي"، ملتقطًا مفردة "العَجَل" لتكون شذرة أساسية في العمل الغنائي، في رسالة واضحة تؤكد أن الفن أسمى من قيح الخطابات الطائفية، وأكثر قدرة على تمثيل الوجدان العراقي الجامع.
وتتعمق دلالة هذا العمل حين نعلم أن كاتب الأغنية هو الشاعر الراحل كاظم السعدي، ابن مدينة البصرة الفيحاء، الذي قدّم النص بوصفه نموذجًا لروعة الشعر الشعبي العراقي، ومدى ترابط اللهجات وتقاربها رغم اختلاف البيئات والمشارب، ليؤكد أن اللغة الشعبية ليست أداة فرقة، بل جسر تواصل بين العراقيين.
إن اللهجات العراقية، بكل تنوعها، تمثل مصدر قوة ثقافية واجتماعية، وتعزز المحبة والألفة والترابط بين أبناء البلد الواحد، ولا تسعى إلى إقصاء لهجة على حساب أخرى، كما لا تقبل أن تُختزل أو تُحاصر برؤى طائفية ضيقة. فالعراق بتعدده اللغوي والثقافي أكثر اتساعًا وجمالًا من محاولات التصنيف والمنع.