آخر الأخبار


فكرة محافظ الأنبار بسيطة: من يخدم الناس لا يحتاج إلى كاميرات

  • A+
  • A-

 الديرة - الرمادي


لو أراد أحدٌ أن يقرأ المشهد الإداري في الدول المتقدمة، لوجد أن معيار الصعود إلى موقع المحافظ أو الحاكم ليس براعة الخطابة، ولا وفرة الصور في منصات التواصل، بل سجلّ سابق من العمل المتراكم بصمت. هناك تُراجع المشاريع قبل الأسماء، وتُقاس الخدمات في القرى البعيدة قبل أن تُقاس في مراكز المدن، وتُوزن النتائج بميزان الأثر لا بميزان التصفيق.


الفكرة في جوهرها بسيطة: من يخدم الناس حقاً لا يحتاج إلى كاميرا تلاحقه، لأن الإنجاز ذاته هو البيان.


في هذا السياق يمكن قراءة تجربة عمر مشعان الدبوس، المحافظ الجديد للأنبار. اسمه لم يكن ضيفاً دائماً على الشاشات، ولم يتحول إلى وسمٍ يومي في فضاء السوشيال ميديا. وعندما تبحث عنه لن تجد خطابات طويلة بقدر ما ستجد افتتاح محطة وقود هنا، وإشرافاً مباشراً على منظومة كهرباء هناك، وحملة تشجير تمتد في مساحات أنهكها الغبار قبل أن يُنهكها الإهمال.


الأنبار، وهي محافظة خرجت من سنواتٍ ثقيلة من الاضطراب، لا تحتاج إلى بطلٍ إعلامي بقدر ما تحتاج إلى إداريّ يعرف أن إعادة بناء الثقة تبدأ من الخدمات الأساسية: من مدرسة تُبنى في ناحية بعيدة، إلى ملعبٍ يُؤهَّل ليعيد للشباب معنى الاجتماع، إلى مشروعٍ بيئي يُحسّن جودة الهواء ويمنح المدينة مظهراً يليق بأهلها.


المسؤول الناجح، هو الذي يدرك أن المنصب ليس منصة استعراض، بل مسؤولية صامتة، وأن الثقة لا تُستجدى بمنشور، بل تُنتزع بعملٍ يومي لا يراه الجميع، لكنه ينعكس على حياة الجميع.


ولعل أخطر ما أصاب إدارتنا في العقود الأخيرة هو الخلط بين الصورة والإنجاز، بين من يحرص على أن يُرى ومن يحرص على أن يُنجز. الفارق بين الاثنين هو الفارق بين دولة تُبنى على التراكم، ودولة تُستهلك في اللحظة.


من يعمل لوطنه وأهله يستحق الذكر، حتى لو لم يسعَ إليه؛ لأن ذكره هنا ليس مجاملة لشخص، بل تثبيت لفكرة: أن الخدمة العامة يمكن أن تُمارس بوقار، وأن النجاح الواثق لا ينتظر تصفيقاً من أهله كي يواصل الطريق.


وللحديث بقية.. حين نستعرض بقية المشاريع التي تستحق أن تُوثَّق، لا كدعاية، بل كشهادة على أن الصمت أحياناً أبلغ من الضجيج.