آخر الأخبار


محافظة تستقبل زوارها بالقلوب.. في الأنبار.. الضيافة ليست مشروعا سياحيا

  • A+
  • A-

 الديرة - الرمادي


كان يُقال في العراق إن الكرم لا يُقاس بعدد الموائد، بل بالطريقة التي يفتح بها الناس أبوابهم في اللحظة التي لا يتوقعها أحد. وفي هذا المعنى تحديداً كانت الأنبار تحمل تقليداً قديماً يختصره أهلها بعبارة بسيطة: الضيف لا يبحث عن فندق ما دام في المدينة بيت مفتوح.

المدن الحديثة تبني فنادقها من الحجر والزجاج، وتعلّق على واجهاتها نجوم التصنيف. أما في الأنبار، فلم يكن الكرم بحاجة إلى نجوم. كان يكفي أن يطرق الغريب باباً، أو حتى أن يتوقف في الطريق، ليجد من يقول له: البيت بيتك.

ومن الوقائع التي تكشف جوهر هذا المجتمع ما رواه تقرير تلفزيوني عام 2008. قد تبدو الحكاية صغيرة، لكنها تحمل معنى كبيراً.

كانت حافلة تقل مجموعة من العراقيين عائدين من سوريا إلى العراق. وفي طريق العودة مرّ الباص بمحافظة الأنبار ليلاً، لكن رتلاً من القوات الأمريكية قطع الطريق مؤقتاً، كما كان يحدث كثيراً في تلك السنوات المضطربة. توقفت الحافلة عند استراحة قريبة، وبدا واضحاً أن المسافرين سيقضون ليلتهم هناك حتى الصباح.

لم تمضِ ساعة حتى ظهر رجل مسن من أهل المنطقة، يرافقه أبناؤه وعدد من شباب الحي. كانوا يحملون أغطية وبطانيات، كأنهم أدركوا مسبقاً أن المسافرين سيحتاجونها. لم يسألوا من أين جاء هؤلاء، ولا إلى أين يذهبون؛ كان السؤال الوحيد: كيف يمكن أن نكرمهم هذه الليلة؟

ولأن عدد المسافرين كان كبيراً، قرروا فتح مسجد قريب ليكون مأوى لهم. في دقائق قليلة تحول المسجد إلى ما يشبه فندقاً بسيطاً، لكنه دافئ بمعناه الإنساني. فُرشت البطانيات، وأخذ المسافرون أماكنهم للنوم بعد عناء الطريق.

كانت الكاميرا التي وثّقت المشهد تتحرك ببطء داخل المسجد؛ تُظهر المسافرين وقد غلبهم النوم، بينما في الخارج كان شباب المنطقة يجلسون قرب الباب يسهرون الليل كله. لم يكونوا مجرد شهود على الموقف، بل حراساً له؛ يحرسون الضيوف كما لو أنهم يحرسون بيوتهم.

هنا يتجلى الفارق الذي لا تكتبه لافتات الفنادق. فكثير من المدن قد تبني فنادق فاخرة لأجل المظهر أو السهرات، لكنها تبقى مباني بلا روح. أما في الأنبار، فلم تكن الضيافة مشروعاً سياحياً، بل جزءاً من طبيعة الناس أنفسهم.

ولهذا لم يكن غريباً أن يقول أحد أبناء المنطقة في نهاية التقرير عبارة تختصر الحكاية كلها: في الأنبار، بيوت الناس هي الفنادق… وقلوبهم هي الاستقبال.