الديرة - الرمادي
في العراق، حين تراكمت الحكايات بين خرابٍ قديم ومحاولات نهوضٍ متأخرة، يبرز سؤال لا يُطرح كثيراً بصيغته الصريحة:
أين يجب أن تكون وزارة الإعمار؟
لقد اعتاد العقل الإداري، لسنواتٍ طويلة، أن يربط الوزارات بالعاصمة. أصبحت بغداد ليست فقط مركز القرار، بل مركز الفعل أيضاً. لكن التجربة، وهي أصدق من الخطابات، أثبتت أن الفعل قد يحدث بعيداً عن المركز، وأن الإعمار، في بعض الأحيان، يُصنع في الأطراف ثم يُنسب إلى العاصمة.
في الأنبار، حيث كانت الأرض قبل سنوات قليلة مسرحاً للخراب، لا تزال آثار الحرب شاهدة، لكنها لم تعد العنوان الوحيد. ما جرى هناك لم يكن مجرد إعادة بناء حجر، بل محاولة لإعادة بناء معنى: كيف يمكن لمحافظةٍ أنهكتها الحروب أن تتحول إلى ورشة عمل مفتوحة؟
لم تكن الإجابة في القرارات المركزية، ولا في كثافة الاجتماعات داخل المكاتب، بل في شيء أبسط وأصعب، وهو كلمة السر في نجاح الأنبار:
العمل.
عملٌ تراكمي لم يبدأ بضجيج، ولم ينتهِ عند أول إنجاز.
وفي هذا السياق، برزت أدوار سياسية حاولت أن تمنح هذا العمل غطاءً ودفعاً، كما فعل الرئيس محمد الحلبوسي، الذي قدّم الأنبار بوصفها نموذجاً يمكن أن يُحتذى، لا مجرد محافظة خرجت من أزمة. كما استمر جهدٌ آخر أقل صخباً وأكثر التصاقاً بالتفاصيل اليومية، كما في عمل المحافظ السابق محمد نوري الدليمي والمحافظ الحالي عمر مشعان دبوس، حيث يتحول الإعمار من مشروعٍ مؤقت إلى حالةٍ مستمرة تُقاوم التوقف.
هنا تتبدّل زاوية النظر؛ ولم يعد السؤال: هل يمكن نقل وزارة الإعمار إلى الأنبار؟
بل أصبح: كيف لا تكون الأنبار هي وجهتها الطبيعية؟
فالوزارة، في تعريفها الحقيقي، ليست بنايةً حكومية ولا سلسلة توقيعات، بل عقلٌ يُدير عملية بناء. وهذا العقل، حين يبقى بعيداً عن موقع الفعل، يتحول مع الوقت إلى جهازٍ نظري يُخطط أكثر مما يُنفذ.
في الأنبار، الإعمار ليس فكرة، بل واقع. الطرق التي فُتحت، والمشاريع التي نُفذت، والحياة التي عادت تدريجياً، كلها تقول شيئاً واحداً: هنا يحدث ما تبحث عنه الوزارة.
ولعل الدرس الأهم، الذي لا يُقال كثيراً، هو أن الدول لا تنهض من مراكزها فقط، بل من أطرافها أيضاً حين تُمنح الفرصة. والأنبار، في لحظةٍ ما، لم تنتظر الفرصة، بل صنعتها.
لهذا، فإن القول بأن الأنبار هي الوجهة الحقيقية لوزارة الإعمار لا يبدو ترفاً، أو طرحاً سياسياً، بل استنتاجاً طبيعياً. استنتاجٌ يقول إن المكان الذي تعلّم كيف ينهض، أحقّ بأن يقود عملية النهوض.
قد تبقى الوزارة في بغداد، وقد تبقى القرارات حيث اعتادت أن تكون، لكن الحقيقة التي تفرض نفسها بهدوء: أن الإعمار، حين أراد أن يُثبت وجوده في العراق، لم يختر القاعات، بل اختار الأنبار.