الديرة - متابعة
بقلم: آدم غرامينيا*
نُشر في: We Are The Mighty
مرحباً بكم في عام 2026.
لا يزال الدخان يتصاعد فوق قاعدة كابيتان مانويل ريوس الجوية في فنزويلا، بينما يشتعل الإنترنت العالمي بنقاش محموم. السؤال نفسه يتردد على ألسنة المحللين والمطلعين:
«كنت أظن أن منظومة S-300 هي “الجلاد” الذي لا يُقهر… فكيف انهارت بهذه الصورة؟»
على مدار العقد الماضي، قدّم مسوّقو السلاح في الكرملين منظومة S-300VM Antey-2500 بوصفها الذروة المطلقة في الدفاع الجوي:
منظومة قادرة – حسب الادعاء – على إسقاط الصواريخ الفرط-صوتية، وتتبع أربعةٍ وعشرين هدفاً في آنٍ واحد، وتحويل منطقة الكاريبي بأكملها إلى منطقة حظر طيران في وجه البحرية الأمريكية.
ولم تكن فنزويلا وحدها من صدّق هذه الرواية؛ فقد انساقت خلف الزخم الدعائي دول كبرى مثل الصين والهند وفيتنام، بل وحتى بعض الدول المنضوية في حلف الناتو.
فنزويلا بدورها اشترت منظومتين كاملتين من طراز S-300VM، وأنفقت من عائدات النفط ما يكفي – حرفياً – لتبليط أحياء الصفيح بالذهب، وكل ذلك مقابل وعد واحد: مظلة دفاعية منيعة تحمي البلاد من “العدوان الإمبريالي”.
لكن في تمام الساعة 04:00 من صباح 3 يناير 2026، حوّلت البحرية الأمريكية هذه “المظلة” إلى خردة معدنية قابلة لإعادة التدوير… في أقل من عشرين دقيقة.
فهل كذب الروس على زبائنهم؟
ذلك احتمال مستبعد.
أم أن الفساد البنيوي والدعاية الفارغة قد لحقت أخيراً بإعلانات التسويق العسكري؟
لفهم ما جرى، ألقينا نظرة فاحصة على ما يُفترض أنها مواصفات “سرية”، وأجرينا تشريحاً كاملاً لهذا الفشل المعاصر.
⸻
صُمِّمت لتفشل
كانت الضربة القاتلة الأولى ذاتية المصدر، نابعة من تصميم المنظومة نفسها، وتحديداً من رادار الاشتباك العملاق 9S32ME، المعروف في تصنيف الناتو باسم Grill Pan، والذي يطلق عليه المتحمسون لقب «عين ساورون».
على الورق، يبدو هذا الرادار مرعباً:
رادار مصفوفة طورية عالي القدرة، صُمم لاختراق التشويش الأمريكي بالقوة الغاشمة.
لكن في عالم الحرب الإلكترونية الحديثة، القوة الغاشمة ليست حلاً؛ بل دعوة مفتوحة للدمار.
لتتبع هدف شبحـي مثل F-35C أو صاروخ توماهوك منخفض الارتفاع، يضطر رادار Grill Pan إلى ضخ كميات هائلة من الطاقة في السماء. والنتيجة؟
يتحول إلى ألمع جسم في الطيف الكهرومغناطيسي بأكمله.
في اللحظة التي ضغط فيها مشغلو S-300VM الفنزويليون زر التشغيل، لم يكونوا يبحثون عن أهداف فحسب؛ بل كانوا يعلنون – عملياً – إحداثياتهم الجغرافية الدقيقة لكل صاروخ مضاد للإشعاع في نصف الكرة الغربي.
الرادار الذي يسلّط عليك وعلى طاقمك أقوى كشاف ضوئي في العالم، هو رادار يستقبل صاروخ AGM-88E مباشرة في وجهه.
وهذا بالضبط ما حدث في فجر يناير 2026.
لقد حاولت فنزويلا خوض مبارزة قنّاصة عبر التلويح بشعلة مضيئة أمام ديناصور من نوع T-Rex.
⸻
الجغرافيا لا ترحم
حتى لو افترضنا أن الرادارات نجت من القمع الإلكتروني الأولي، فإنها كانت ستُهزم أمام عدو لا يمكن التحايل عليه: الجغرافيا.
الجغرافيا لا تكذب، ولا تهتم بالوعود التسويقية.
صُممت منظومة S-300 أساساً لحماية مساحات روسية شاسعة ذات أفق مفتوح، حيث يمكن رصد القاذفات الاستراتيجية من مئات الكيلومترات.
أما فنزويلا، فهي نقيض ذلك تماماً:
سلسلة معقدة من الجبال الساحلية والوديان العميقة التي تجعل مفهوم “خط البصر” شبه عديم القيمة.
مخططو الطيران في البحرية الأمريكية يدركون ذلك جيداً. لذلك وُجّهت أسراب صواريخ توماهوك عبر الوديان، مستفيدة من الجبال كدرع مادي طبيعي، ضمن تكتيك يُعرف باسم الطيران بمحاذاة التضاريس (Nap of the Earth).
وعندما رصدت بطاريات S-300VM في منطقة لا كارلوتا الموجة القادمة، كانت الصواريخ قد تجاوزت خط الأشجار بالفعل… ولم يتبقَّ سوى أقل من عشر ثوانٍ على الاصطدام.
لا يمكنك اعتراض صاروخ بطول عمود هاتف، يطير بسرعة 0.8 ماخ، عندما لا تملك سوى ست ثوانٍ للإغلاق والإطلاق – مهما كان حجم ميزانيتك.
⸻
الإنسان خلف الآلة
يمكن الحديث طويلاً عن التخفي والتضاريس، لكن نقطة الفشل الأخطر لم تكن معدنية، بل بشرية.
منظومة S-300VM مذهلة تقنياً، لكنها تتطلب طواقم عالية التدريب، تفهم إدارة الطيف الكهرومغناطيسي، وتفاصيل التصفية الرادارية، والفروق الدقيقة بين الهدف الحقيقي والهدف الوهمي.
الواقع أن كثيراً من وحدات الجيش الفنزويلي تُدار بواسطة مجندين:
• قد لا يكونون تقاضوا رواتبهم منذ أشهر
• تلقوا تدريبهم من كتيبات مترجمة عن الروسية
• ويعملون في بيئة تنظيمية مضطربة
عندما امتلأت شاشاتهم بمئات الأهداف الزائفة التي أوجدها التشويش الأمريكي، أو عندما بدأت الأنظمة في إرسال رموز أعطال غير مفهومة، لم يكن هناك “حل تقني”.
كان هناك ذعر… أو شلل… أو انسحاب غريزي.
في الحرب الحديثة، لا يوجد “انسحاب غاضب”.
يوجد فقط تدريب جيد – وهذا لا يمكنك تحميله من خادم في موسكو.
⸻
سرقة التكنولوجيا الكبرى
وهنا نصل إلى ما لن تتحدث عنه نشرات الأخبار المسائية.
حطام “البطارية ألفا” ليس مجرد خردة.
إنه – على الأرجح – أثمن غنيمة استخباراتية خلال عقد كامل.
مع تعطّل الدفاعات الجوية، ووسط الفوضى التي تُعد البيئة المثالية لقوات العمليات الخاصة الأمريكية، هناك احتمال مرتفع جداً أن تكون واشنطن قد أمّنت:
• شرائح التوجيه
• خوارزميات التتبع
• أنماط الموجات الرادارية
• وطرق التواصل بين الصواريخ ومنصات الإطلاق
والنتيجة؟
خلال العشرين عاماً القادمة، سيجد كل مستخدم لمنظومة S-300 – من إيران إلى كوريا الشمالية – نفسه يقاتل مكشوفاً بالكامل.
⸻
الخلاصة
منظومة S-300VM سلاح مرعب…
إذا كنت تخوض حرب عام 1985، دفاعاً عن موسكو ضد قاذفات عالية الارتفاع.
أما في مواجهة ضربة بحرية أمريكية شبكية، منخفضة الارتفاع، مشبعة بالتشويش في عام 2026؟
فهي ليست سوى أهداف تدريبية باهظة الثمن.
لقد سقط الدرع، وتم تأمين الغنائم، وسوق السلاح الروسي على وشك تلقي ضربة قاسية.
لكن لا ينبغي أن يخدعنا التفوق الجوي:
كسر الباب أسهل من السيطرة على البيت.
أما النهاية؟
فالعملاق لم يُقتل لأنه ضعيف، بل لأنه كان يقاتل في الحرب الخطأ
* تعريف الكاتب وموقع النشر
آدم غرامينيا (Adam Gramegna) كاتب ومحلل عسكري أمريكي، ومحارب قديم خدم في سلاح المشاة بالجيش الأمريكي بعد هجمات 11 سبتمبر 2001، وشارك في مهام عسكرية في كوسوفو والعراق وأفغانستان. يكتب غرامينيا في الشؤون العسكرية والحرب الحديثة من منظور عملي يجمع بين الخبرة الميدانية والتحليل النقدي لعقائد التسليح، مع تركيز خاص على الفجوة بين الدعاية العسكرية والواقع العملياتي.
نُشر هذا المقال في موقع We Are The Mighty، وهو موقع إعلامي أمريكي متخصص في الشؤون العسكرية، والثقافة العسكرية، وتحليل الحروب الحديثة، ويستكتب بالأساس عسكريين سابقين وصحفيين دفاعيين.