آخر الأخبار


حين تفتح المعابر.. سوريا التي نعرفها

  • A+
  • A-

 الديرة - الرمادي


عندما يطالع المرء خبراً عن فتح سوريا معابرها البرية لتصدير نفط العراق، قد ترتسم على وجهه ابتسامة هادئة؛ ابتسامة لا تعبّر عن فرحٍ اقتصادي بقدر ما تستدعي ذاكرة أعمق—ذاكرة علاقة بين شعبين صاغتها المحن أكثر مما صاغتها السياسات.

سوريا، أيّاً كان من حكمها أو يحكمها، ظلّت حاضرة في الوعي العراقي في أوقات العسر، لا في لحظات الرخاء. نعم، في سوريا متطرفون كما في العراق متطرفون أيضاً، والتاريخ القريب يشهد أن فئات ضيقة من هنا ساهمت في خراب هناك، وأن فئات من هناك ساهمت في جراح هنا. لكن تلك الفئات، مهما علت أصواتها، لا تمثّل وطناً، بل تمثّل أيديولوجيات تعيش على الهدم أكثر مما تعيش على البناء.

وإذا أردنا أن نسأل: من هي سوريا؟ فالإجابة لا تُكتب في البيانات الرسمية، بل تُستعاد من ذاكرة العراقي بعد عام 2003. كانت سوريا آنذاك بلداً يُدخَل إليه بلا تعقيد، وكانت الحدود مجرد خط على الورق، لا على القلب. كان العراقي، حين يلتقي سورياً في بغداد، يشعر أن دمشق أو حلب ليستا بعيدتين.

كل عراقي عاش في دمشق سيؤكد أن الخطاب لم يكن طائفياً كما يخشاه اليوم، بل كان إنسانياً كما يحتاج. لم يُسأل القادم عن طائفته بقدر ما سُئل عن حاجته. وقف السوريون مع العراقيين في محنتهم، ثم وقف العراقيون مع السوريين حين تبدلت الأدوار، وكأن الألم صار لغة مشتركة لا تحتاج إلى ترجمة.

ولهذا، حين يدخل العراقي مطعماً سورياً اليوم، فهو لا يأكل فقط، بل يستعيد: يستعيد شارعاً، وجلسةً، وصوتاً، وربما لحظة أمان. أحياناً لا يشتهي الإنسان الطعام بقدر ما يشتهي ذاكرته.

ومن بين كل العلاقات التي تشابكت وتعقّدت، تبقى العلاقة مع سوريا واحدة من تلك التي يتمنى العراقي أن تعود إلى صفائها الأول؛ لا بدافع السياسة أو الطائفة، بل بدافع الحنين. الحنين إلى أن نمشي يوماً مرة أخرى في مساكن برزة، أو نتجول في جرمانا، لا كغرباء نزور، بل كأناس يعودون إلى جزء من ذاكرتهم تركوه هناك… وينتظرون استعادته.

نحن لا نفهم قيمة سوريا إلا حين ننظر إلى ما عشناه فيها، ومع ذلك نظل نشتاق للعودة، لنكمل ما لم يُكمل هناك.