الديرة - الرمادي
في السنوات التي سبقت عام 2017، كان مشهد المدارس في محافظة الأنبار يشكل فصلاً مؤلماً من كتاب “الجرح الأنباري المفتوح”. كانت معظم المدارس إما أنقاضاً تحمل ذاكرة الحرب، أو ثكنات عسكرية سابقة، أو صفوفاً كرفانية معدنية تُقدَّم كحلول مؤقتة، إلا أنها طال أمدها حتى كادت تتحول إلى واقع دائم.
في الصيف، كانت تلك الكرفانات تختزن الحرارة كأفران صامتة، وفي الشتاء تفتح أبوابها لرياح قاسية لا ترحم. وبين هذا وذاك، كان الطالب الأنباري يدخل مدرسته وهو يحمل إحساساً واحداً: أن كل شيء مؤجَّل حتى مستقبله.
في تلك اللحظة المفصلية، برز اسم الرئيس محمد الحلبوسي لا كمسؤول يردد خطابات الصبر، بل كابن الديرة الذي يعرف جرحها قبل أن يصبح محافظاً عليها. قرأ الواقع كما هو، دون تجميل أو إنكار. أدرك أن التعليم ليس بنداً ثانوياً في قائمة الأولويات، بل هو الخيط الدقيق الذي يربط ماضياً مثقلاً بالألم بمستقبل ممكن.
لم يتعامل مع ملف المدارس الكرفانية كأزمة تربوية عادية فحسب، بل كاختبار حقيقي لقدرة الإدارة على تحويل الفوضى إلى نظام. بدأ بتشخيص دقيق للواقع الميداني، ثم صاغ خطة عمل واضحة المعالم، أقرب إلى الخوارزمية السياسية منها إلى الأمنيات. لم ينتظر معجزات خارجية، بل تحرك ضمن الممكن، مستثمراً الدعم المحلي والدولي المتاح، مدركاً أن المانحين لا يبحثون عن النوايا الحسنة، بل عن مشاريع محددة الأهداف، قابلة للقياس، وسريعة الأثر.
ترافقت هذه الرؤية مع ترشيد صارم في الإنفاق، ومتابعة يومية دقيقة لعمليات البناء، وتنسيق محكم بين الجهات المعنية، في محاولة جادة لتقليل الهدر إلى أدنى مستوى. كان كل دينار يُصرف معركة بحد ذاتها.
خلال سنوات قليلة، بدأت الصورة تنقلب رأساً على عقب. تحولت الكرفانات التي كانت رمزاً للعجز إلى مرحلة انتقالية قصيرة العمر. مدرسة تلو الأخرى خرجت من القالب المؤقت إلى أبنية ثابتة وكريمة، تليق بالطالب وتمنحه أكثر من مجرد مقعد دراسي: شعوراً بالاستقرار والأمل.
ولعل الأهم من البناء المادي ذاته هو كسر الذهنية التي تتعايش مع الأزمات حتى تصبح جزءاً من طبيعتها. في بيئات كثيرة، يتحول النفور من التعليم المتردي إلى سلوك مألوف، وتُهمل المدارس حتى بعد بنائها. أما في الأنبار، فقد مثّلت التجربة محاولة واعية لقطع هذا المسار، بوضع التعليم في صدارة الأولويات لا في هامشها.
اليوم، حين تشاهد بعض المدارس الحكومية في الأنبار، قد تظن للوهلة الأولى أنك أمام نماذج أهلية متقدمة، من حيث البناء والتنظيم والنظافة. إن قيمة هذه التجربة لا تكمن في سردها فحسب، بل في قدرتها على أن تُفهَم وتُستنسخ: كيف انتقل ملف من خانة “المؤقت الدائم” إلى خانة “المعالجة المنهجية”، وكيف يمكن لهذا التحول، إن أُحسن قراءته، أن يُعاد إنتاجه في محافظات أخرى ما زالت تنتظر دورها في الخروج من ظل الأزمات.