آخر الأخبار


عراق لا تحكمه الهواجس

  • A+
  • A-

 الديرة -  الرمادي


في قراءة هادئة لما يمكن تسميته بفلسفة الأعراف الدولية، يتضح أن الدول التي يقل فيها الوجود العسكري داخل المدن والمناطق المدنية، هي ذاتها التي تنساب فيها الحركة التجارية بسلاسة، ويستقر فيها الإيقاع الأمني والاجتماعي دون توتر ظاهر. فحضور القوة، حين لا تفرضه ضرورة، يتحول من عنصر طمأنينة إلى مصدر قلق صامت.

المشهد المتكرر في عدد من أقضية ومحافظات العراق، ولا سيما في الأنبار، يكشف عن معادلة مختلة: نقاط تفتيش دائمة، وانتشار عسكري كثيف في أزمنة يُفترض أنها مستقرة. 

تقف هذه المظاهر وكأنها تحرس تهديداً لم يعد قائماً، ليغدو الحذر حالة ذهنية متبادلة أكثر منه إجراءً احترازياً. الجندي ينظر إلى المواطن بعين الشك، والمواطن يبادله نظرة الخوف، وكأن كليهما يستدعي ماضياً لم يبقَ منه سوى أثره في الذاكرة.

نحن لا نتحدث عن أجهزة الشرطة المحلية، أو التشكيلات المعنية بمتابعة الأمن الداخلي وضبطه..

هذه الذهنية، في جوهرها، ليست إلا إعادة إنتاج للماضي بأدوات الحاضر. لكنها إعادة عقيمة، لأن المستقبل لا يُدار بذاكرة الخوف، بل بعقل قادر على استخلاص الدروس. فالتجارب، مهما كانت قاسية، لا تُحفظ لتُعاد، بل لتُفهم، ثم تُحوّل إلى وعي يصنع واقعاً مختلفاً.

من هنا، لا تكمن المشكلة في عدد النقاط العسكرية أو حجم الانتشار الأمني، بل في العقل الذي يدير هذا الانتشار. عقلٌ إن ظل أسير الماضي، فلن ينتج إلا ماضياً جديداً؛ أما إذا تحرر منه، فسيفتح الباب أمام عراق مختلف، لا تحكمه الهواجس، بل تقوم معادلته على الثقة.