الديرة - الرمادي
في بلدنا.. المواطن في كل دورة انتخابية، يعيد الخطأ ذاته كأنما يسير في دائرة مغلقة لا يملك منها فكاكاً، يعيد تجربة انتخاب غير المستحق، لا لأن الكفاءة غائبة عن عينيه، بل لأنه أُغري بوعد زائف، قيل له يوماً ثم تلاشى كما تتلاشى الكلمات فوق قبر جنازة في آخر يوم.
لم تكن الدولة يوماً في حساب هذا المواطن، سوى فكرةٍ بعيدة، مؤجلة دائماً لصالح انتماء أقرب: عشيرة، مذهب، أو سردية تاريخية يتكئ عليها ليبرر اختياره، لكنه لم يدرك أن التاريخ مهما كان مجيداً أو مثقلاً بالجراح، لا يصلح الحاضر ما لم يُترجم إلى عمل وسعي يُنتج واقعاً يخدم الإنسان لا الوهم.
وفي عمق التجارب بقّيت فئة اعتادت الفساد لا ترفضه بل تتغذى عليه، لأن مصالحها تنمو في ظله، وفئة أخرى وجدت في اللادولة ملاذاً تسترزق من الفوضى، وتقتات على النعرات الطائفية فتدافع عنها كما لو كانت قدراً لا يمكن تغييره.
غير أن الحقيقة التي نكررها دائماً، أن غياب الدولة ليس حرية بل هو فراغ يبتلع القانون، وغياب القانون لا يورث إلا شوارع قذرة، ومؤسسات منهكة، وتعليماً يخرّج أجيالاً لا تعرف إلى أين تمضي.
لم يكن انهيار المجتمعات حدثاً مفاجئاً، بل نتيجة طبيعية لأساس مختل، فكما في الهندسة حيث يبدأ كل مشروع من الأرض، فإن صلاح البناء مرهون بصلابة ما تحته، وإذا كانت الأرض غير مهيأة، فإن أي بناء فوقها مهما بدا متماسكاً، لن يصمد طويلاً أمام أول اختبار.