آخر الأخبار


البو محل والجغايفة.. من تجمعهم السواتر لن تفرقهم الفتن

  • A+
  • A-

 الديرة - الرمادي 


في ذروة المعارك التي شهدتها محافظة الأنبار، وتحديداً في قضاء القائم عام 2016، لم يكن قرار البقاء على الأرض قراراً عادياً، بل كان اختياراً وجودياً اتخذته عشيرتان أدركتا أن الانسحاب لم يعد خياراً حين تصبح الأرض مرادفاً للكرامة والعزة.

يومها وقفت عشيرتا الجغابفة والبو محل كتفاً إلى كتف في مواجهة الإرهاب، لا باعتبارهما كيانين منفصلين، بل كجبهة واحدة متماسكة تشكَّلت تحت وطأة الخطر، واتسعت بفعل الإيمان المشترك بضرورة الصمود.

كانت المعركة غير متكافئة على الإطلاق؛ السلاح شحيح، والطلقة تساوي قيمة الماسة في قلب الصحراء. ومع ذلك، لم تتراجع الإرادة. تحول رجال العشيرتين في تلك اللحظة التاريخية إلى نماذج حية من البطولة، يشبهون في فعلهم الأساطير، لا في الأسماء، بل في الروح: حيث يصبح الخوف تفصيلاً ثانوياً، وتتحول المواجهة اليومية مع الإرهاب إلى عادة يمارسها من اعتاد على الموت واقفاً.

رُويت قصص تلك المواجهات ليس فقط في ذاكرة الميدان، بل في روايات الجيش العراقي الرسمية وتقارير متعددة، بما في ذلك سياق عمليات التحالف الدولي ضد تنظيم داعش. لم يكن ذلك التقدير مجاملة دبلوماسية، بل توصيفاً دقيقاً لواقع ساهم فيه تكاتف العشيرتين بدور رئيسي في استعادة السيطرة على الأرض وتحرير المنطقة.

غير أن المفارقة المؤلمة التي تفرض نفسها اليوم هي أن هذا الدرع الذي صيغ من وحدة الهدف والدم بات مهدداً بالتصدع الداخلي. الخلاف الذي نشأ لاحقاً بين العشيرتين لا يرتقي أبداً إلى مستوى التضحيات الجسيمة التي قدمتاها معاً. فالدفاع عن الظهر الذي كان شرطاً أساسياً للبقاء في زمن الخطر لا يمكن أن يتحول إلى مواجهة بين الظهور ذاتها.

إن عشائر الأنبار، على تعددها وتنوعها، قدمت نماذج متقاربة في حجم التضحيات، مما يجعل أي انزلاق نحو العداء تفريطاً بخزانة تاريخية لم تُبنَ بسهولة. فالتضحية حين تُفرغ من معناها تتحول إلى ذكرى باهتة بلا أثر.

والحقيقة القاسية التي يجب مواجهتها أن الإرهاب لا ينتهي عند حدوده الجغرافية، ولا يُختزل بعبوره من خارج الحدود. إنه يبدأ من اللحظة التي يتحول فيها الأخ إلى خصم، ويتراجع فيها منطق الشراكة أمام نزعات الانقسام. عندها يصبح الخطر داخلياً، ويغدو كل ما سعت تلك التضحيات الغالية إلى تحقيقه من أمن واستقرار على أرض الأنبار مهدداً بالضياع.