الديرة - الرمادي
عادت قضية حصر السلاح بيد الدولة إلى واجهة المشهد السياسي، بعد سلسلة تصريحات ومواقف صدرت عن فصائل مسلحة وقوى سياسية مؤثرة، تحدثت عن الاستعداد لتسليم السلاح أو وضعه تحت سلطة الدولة العراقية، في أعقاب الانتخابات الأخيرة.
هذه الإعلانات، التي بدت لافتة من حيث التوقيت والمضمون، فتحت باب التساؤلات حول أسبابها الحقيقية، وما إذا كانت تعكس تحولاً فعلياً في بنية القوة داخل البلاد، أم أنها استجابة ظرفية لجملة ضغوط سياسية وأمنية متداخلة.
وبينما يرى البعض أن ما جرى يمثل بداية مسار جديد في العلاقة بين الدولة والفصائل، يذهب آخرون إلى أن التصريحات لا تزال في إطار الخطاب، وأن خلفها حسابات معقدة تتراوح بين تجنب الضربات الخارجية، وإعادة التموضع السياسي، أو الاكتفاء بإجراءات شكلية لا تمس جوهر ملف السلاح.
ويمكن قراءة هذه التطورات من خلال ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
التحذيرات الخارجية
يفترض هذا السيناريو أن إعلانات حصر السلاح جاءت نتيجة مباشرة لتحذيرات أمنية غير مسبوقة تلقتها بغداد خلال الأسابيع الماضية.
ووفق ما نقلته صحيفة الشرق الأوسط عن مصادر عراقية مطلعة، فإن الحكومة وعدداً من الجهات السياسية تلقوا رسالتين تحذيريتين من دولة عربية صديقة وجهاز استخبارات غربي، تضمنت معلومات وصفت بالجدية حول اقتراب تنفيذ ضربات عسكرية واسعة داخل الأراضي العراقية.
وبحسب المصادر نفسها، فإن الضربات المحتملة كان من المرجح أن تستهدف مؤسسات حكومية يعتقد بوجود صلات لها مع الفصائل المسلحة وهيئة الحشد الشعبي، إلى جانب شخصيات تتمتع بنفوذ مالي وعسكري، فضلاً عن مواقع يشتبه باستخدامها لتخزين الطائرات المسيّرة والصواريخ ومعسكرات التدريب، كما أشارت المعلومات إلى أن جهاز استخبارات غربي سلم الحكومة العراقية ملفاً ضخماً أعده جهاز أمني إسرائيلي، تضمن تفاصيل دقيقة عن بنية الفصائل المسلحة وأسماء قادة وشخصيات تعمل بسرية ضمن محيطها.
ويرى مراقبون أن هذه المعطيات شكلت ضغطاً سياسياً وأمنياً كبيراً، دفع الفصائل إلى تبني خطاب جديد حول حصر السلاح، في محاولة لتخفيف احتمالات الاستهداف الخارجي، ونزع الذرائع التي قد تستخدم لتبرير أي تصعيد عسكري داخل العراق.
السلاح مقابل النفوذ السياسي
أما السيناريو الثاني، فيربط بين إعلانات حصر السلاح وبين مفاوضات تشكيل الحكومة المقبلة، حيث ينظر إلى التخلي التدريجي عن السلاح بوصفه ورقة تفاوض سياسية، لا خطوة أمنية خالصة.
ووفق هذا الطرح، فإن بعض الفصائل قد تكون مستعدة لإعادة تعريف دورها من قوة مسلحة إلى لاعب سياسي داخل مؤسسات الدولة، مقابل الحصول على وزارات ومواقع تنفيذية مؤثرة في الحكومة القادمة.
هذا السيناريو يفترض أن السلاح لم يعد الورقة الأهم في المرحلة المقبلة، في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية، وأن النفوذ السياسي والإداري قد يكون أكثر أماناً وأقل كلفة، وعليه، فإن خطاب حصر السلاح يستخدم كرسالة طمأنة داخلية وخارجية، تهدف إلى تسهيل عملية الانتقال من النفوذ العسكري إلى النفوذ الحكومي، من دون الدخول في صدام مباشر مع الدولة أو المجتمع الدولي.
إعلان شكلي
في المقابل، يطرح السيناريو الثالث قراءة أكثر تشككاً، مفادها أن إعلانات حصر السلاح لا تعكس نية حقيقية لتسليمه، بل تقتصر على إجراءات شكلية، من قبيل إخفاء السلاح أو تخزينه، من دون التخلي الفعلي عن السيطرة عليه.
ويستند هذا السيناريو إلى تصريحات عضو المكتب السياسي لمنظمة بدر، أبو ميثاق المساري، الذي أشار إلى أن تسليم السلاح سيكون شكلياً، عبر وضعه "خلف الباب" أو تسليمه لهيئة الحشد الشعبي، مؤكداً أن أي قوة في العالم، مهما بلغت، لن تتمكن من فرض نزع السلاح على العراقيين أو إجبار الفصائل على تسليمه لجهة خارجية، ولا سيما الولايات المتحدة.
وتعزز هذا الطرح أيضاً تدوينات لصحفيين وناشطين، من بينهم المحلل السياسي نجاح محمد علي، الذي اختصر فكرة حصر السلاح بعبارة رمزية مفادها أن السلاح سيُحفظ في "الخزانة"، بينما يبقى المفتاح في الجيب، في إشارة إلى بقاء القرار والسيطرة الفعلية بيد الجهات نفسها، وإن تغير الخطاب العلني.
ويرى أستاذ الفكر السياسي، الدكتور همام عبد الكاظم، أن ملف حصر السلاح بيد الدولة سيبقى مفتوحاً على أكثر من احتمال، في انتظار ما ستكشفه الخطوات العملية على الأرض.
وأكد عبد الكاظم في تصريح خص به تلفزيون "الديرة"، أن التصريحات وحدها لا تكفي لتأكيد حدوث تحول حقيقي، ما لم تترجم إلى إجراءات واضحة تعكس قدرة الدولة على فرض معادلة واحدة للسلاح والقرار، بعيداً عن الضغوط الظرفية والمناورات السياسية.