الديرة - الرمادي
المعضلة الحقيقية في العراق اليوم ليست في تشخيص الأزمة، بل في قدرة النخبة السياسية على حسمها. فالدولة التي تفتقر إلى رئيس جمهورية يتمتع بشرعية تنفيذية كاملة، وحكومة تملك صلاحيات دستورية مكتملة، تشبه سفينة تعرف وجهتها جيداً، لكنها تُبحر بلا ربان في بحر هائج.
وفي عالم تتحرك فيه المصالح بسرعة الضوء، لا يُمنح الوقت لمن يتردد أو يؤجل.
اقتصادياً، تبدو الصورة أقسى بكثير مما تعكسه البيانات الرسمية. حكومة مؤقتة أو غير مكتملة لا تملك ترف إقرار موازنة استراتيجية طويلة الأمد، ولا القدرة على إطلاق مشاريع كبرى قادرة على إعادة تشكيل الاقتصاد الوطني. المستثمر لا يخشى المخاطر المحسوبة بقدر ما يخشى الغموض السياسي، والعراق اليوم يقدم للمستثمرين مزيداً من الغموض على حساب الفرص الواضحة. والأسواق، كعادتها، لا تنتظر المتأخرين.
أمنياً، لم تختفِ التحديات، بل تحولت أشكالها. التهديدات الصامتة، والتوترات الحدودية، وملفات السيادة الوطنية، كلها تحتاج إلى قرار مركزي حازم، لا إلى إدارة انتقالية هشة. فالأمن الحقيقي ليس مجرد غياب الانفجار، بل حضور الدولة القوية القادرة على منع وقوعه أصلاً.
سياسياً، يتجاوز الأمر مجرد إحباط شعبي عابر، إذ تحول إلى قناعة متراكمة بأن النظام السياسي يدور حول مصالحه الذاتية أكثر مما يدور حول احتياجات المواطنين. وكل يوم تأخير لا يمر كزمن عادي، بل يُسجل كدليل إضافي على اختلال الأولويات.
دولياً، ورغم عدم التصريح الصريح، يدرك الجميع أن استقرار العراق الداخلي هو الشرط الأول والأساسي لأي شراكة استراتيجية حقيقية. سواء في طهران أو واشنطن أو في دول الخليج أو في العواصم الأوروبية، لا أحد يستثمر في فراغ سياسي، ولا أحد يراهن على حكومة مؤقتة غير قادرة على اتخاذ قرارات مصيرية.
من هنا يبرز السؤال المركزي والملح: لماذا لا يُستعجل الاختبار؟
إعلان حسم رئاسة الجمهورية ليس مجرد احترام للنص الدستوري، بل هو إعلان استعادة الدولة لإيقاعها الطبيعي وهيبتها المؤسسية. أما تكليف رئيس وزراء جديد، فيعني اتخاذ قرار استراتيجي حول طبيعة المرحلة المقبلة: هل ستكون مرحلة إدارة أزمات مستمرة، أم بداية حقيقية للخروج منها؟
الحلول المثالية نادرة في السياسة، لكن الحلول العملية دائماً ممكنة. لا يحتاج العراق إلى معجزة، بل إلى اتفاق سياسي ذكي يوازن بين الممكن والمطلوب:
• حسم ملف رئاسة الجمهورية بأسرع وقت ممكن، حفاظاً على ما تبقى من هيبة الدولة ومصداقية المؤسسات.
• تكليف رئيس وزراء قادر على الجمع بين الأطراف لا على تفريقها، وعلى بناء تحالفات استراتيجية لا مجرد إدارتها.
• تحويل الجلسة البرلمانية القادمة إلى لحظة حسم تاريخية، لا إلى حلقة جديدة في مسلسل التأجيل المزمن.
لأن الحقيقة التي يعرفها الجميع ويتجنبون قولها بصوت عالٍ هي أن الوقت في العراق لم يعد محايداً. كل يوم تأخير هو خسارة مؤكدة للدولة والمواطن.
الوقت حان للحسم.