الديرة - الرمادي
ليست كل المدن تُقاس بما يظهر على سطحها، فبعضها كمنطقة القائم تعيش مفارقة قاسية بين ما تختزنها في جوفها، وما يُقال عنها على ألسنة الناس.
القائم هذه الرقعة المنسية على أطراف الدولة، هي عقدة جغرافية واقتصادية لو قُدر لها أن تُقرأ جيداً، لأعادت تعريف مفهوم المركز في الدولة العراقية، فهي ليست هامشاً كما يُظن، بل مشروع قلب اقتصادي مؤجل.
هناك تحت طبقات الأرض الصامتة، ترقد ثروات من الغاز الطبيعي والفوسفات لو أُحسن استثماره على إعادة تشكيل بنية الاقتصاد الوطني، وهناك ايضاً يمتد نهر الفرات شريان حياة لا يكتفي بإرواء الأرض، بل يمنحها قابلية للتحول من صحراء صامتة إلى فضاء إنتاجي نابض.
ثم يأتي الموقع وهو العامل الذي كثيراً ما يُهمل في قراءة المدن، القائم لا تقع في فراغ بل تتكئ على منفذ حدودي مهم هو منفذ الوليد الذي أعيد تشغيله موخرا، وهذا المنفذ ليس مجرد بوابة عبور، بل يمكن أن يكون شريان تصدير استراتيجي، يربط موارد الداخل بأسواق الخارج. وهنا تحديداً تبدأ الحكاية الحقيقية، لا كما تُروى في المقاهي بل كما تُفهم في غرف التخطيط.
غير أن المشكلة كما جرت العادة في التاريخ العراقي، لم تكن يوماً في ندرة الموارد بل في غياب الرؤية، فالقائم التي كان يمكن أن تتحول إلى منصة طاقة إقليمية، أُنهكت بالحروب وتُركت كأنها صفحة منسية في كتاب دولة مزدحم بالأزمات، فصار اسمها يُستدعى عند القصف، لا عند التخطيط، وعند التهريب لا عند التنمية.
إن أول ما تحتاجه القائم اليوم ليس تجميلاً سطحياً، ولا مشاريع شكلية تُرضي العين وتخدع الوعي. ما تحتاجه هو بنية تحتية صلبة، تبدأ من شبكة أنابيب حديثة قادرة على نقل الغاز بكفاءة، وتمتد إلى منظومة صناعية متكاملة لمعالجة الفوسفات وتصديره. فالثروة إن لم تُحسن إدارتها تتحول إلى عبء صامت.
ومنذ العام ٢٠١٧، قامت الحكومات المحلية المتعاقبة في الأنبار بجهود جبارة لتغيير واقع القائم، حتى جاءت الخطوة الاخير الكبرى من قبل محافظ الأنبار عمر مشعان الدبوس، بافتتاح منفذ الوليد الحدودي، الذي سيغير شكل المنطقة، لكن الحكومة المركزية في بغداد لم تتجه نحو دعم هذه الجهود وتعزيزها.
ولو أن القائم وُضعت في سياق مختلف في دولة تقرأ الجغرافيا بعين الاقتصاد، لكانت اليوم تقف في مصاف مدن الطاقة العالمية، وربما قاربت في تأثيرها نماذج مثل قطر التي أحسنت استثمار الغاز فصنعت لنفسها وزناً يتجاوز مساحتها.
لكن القائم ليست قطر ليس لأنها أقل ثراء، بل لأن مسارها التاريخي كان أكثر وعورة، ومع ذلك فإن الفرصة لم تُفقد بالكامل، فبعد أن وضعت الحرب أوزارها تبرز لحظة نادرة يمكن أن تتحول فيها القائم من منطقة خبر إلى مشروع دولة.
القائم ليست فقيرة، القائم مؤجلة.