آخر الأخبار


مستشار الدبوس يراقب التحضيرات.. بشرى الأنبار الكبرى.. منفذ الوليد جاهز للخدمة

  • A+
  • A-

 الديرة - الرمادي


لا أحد في العراق يستطيع أن يُخفي ذلك الشعور الخفي بالطمأنينة حين تبدأ الجغرافيا باستعادة منطقها الطبيعي، وحين تعود العلاقات مع الدول المجاورة إلى سياقها التاريخي، لا إلى استثنائها القلق. وسوريا، على وجه الخصوص، ليست دولةً مهملة في الذاكرة العراقية، بل امتداد إنساني وثقافي تختزن تفاصيله سنوات ما بعد 2003؛ حين فتحت بيوت أهلها قبل حدودها، واستقبلت العراقيين لا كغرباء، بل كأبناء أزمة واحدة.

ومن بين شواهد تلك الجغرافيا التي تتكلم أكثر مما تُكتب، يقف منفذ الوليد الحدودي، لا بوصفه نقطة عبور فحسب، بل كأرشيف حي لذاكرة مزدوجة؛ فيها من الفرح ما يكفي ليُروى، وفيها من الألم ما يكفي ليُصمت عنه. هو مكان مرّت منه الحكايات؛ بعضها كان يبتسم، وبعضها كان يبكي بصمت.

غير أن اللحظة الراهنة تميل إلى الجانب الذي يستحق أن يُروى.

ففي سياق تحرك إداري يبدو محسوباً بدقة، وبتوجيه من محافظ الأنبار عمر مشعان الدبوس، قام مستشار المحافظ لشؤون المنافذ الحدودية، خالد الجابري، بزيارة ميدانية إلى منفذ الوليد. لم تكن الزيارة بروتوكولية، بل جاءت كجزء من سباق مع الزمن لاستكمال الاستعدادات لافتتاح المنفذ، في خطوة تحمل أبعاداً تتجاوز الشكل إلى الجوهر.

ذلك أن إعادة فتح منفذ الوليد لا تعني فقط استئناف حركة الشاحنات والبضائع، بل تعني استعادة شريان ظل مقطوعاً منذ عام 2015، حين سقط بيد تنظيم داعش، وتحول من بوابة تواصل إلى نقطة انقطاع. ثم جاءت استعادته عام 2017، في لحظة كانت تمثل بداية تحول أوسع في الأنبار، تزامناً مع تولي الرئيس محمد الحلبوسي منصب المحافظ؛ حيث بدأت ملامح إعادة البناء تتشكل على نحو تدريجي، ولكن ثابت.

قبل تلك التحولات، لم يكن المنفذ سوى هيكل باهت؛ بنية تحتية أقرب إلى فراغ إداري يحمل ختم الدولة أكثر مما يحمل حضورها. كان مكاناً يختصر مرحلة مؤقتة من تاريخ العراق، حيث الشكل موجود، لكن المضمون غائب.

أما اليوم، فالصورة مختلفة.

الأنبار، التي كانت تُختصر في عناوين الحرب، بدأت تعيد تعريف نفسها بلغة الإعمار. ولم يعد الاهتمام مقتصراً على مراكز المدن، بل امتد إلى الأطراف، إلى النقاط التي تُعرّف الدولة أمام غيرها. ومنفذ الوليد واحد من تلك النقاط التي تعكس، في صورتها الجديدة، فهماً متقدماً لمعنى السيادة: أن تكون الحدود مرآة الداخل.

فالحدود ليست مجرد خطوط على الخريطة، بل هي الباب الخارجي لبيت اسمه الوطن. وإذا كان لكل بيت باب يُعبّر عنه، فإن باب العراق الغربي اليوم يحاول أن يقول شيئاً مختلفاً: إن ما في الداخل لم يعد كما كان.

وهنا، لا يعود افتتاح المنفذ مجرد حدث نُزفّه لكم، بل يصبح رسالة سياسية واجتماعية واقتصادية في آن واحد. رسالة مفادها أن العراق، رغم كل ما مرّ به، لا يزال قادراً على إعادة وصل ما انقطع، وترميم ما تهدّم، وإعادة تعريف نفسه؛ ليس فقط أمام الآخرين، بل أمام ذاته أولا.