الديرة - الرمادي
تخيّل معي أنك تبني بيتاً جديداً بعد سنوات طويلة من الخراب. وضعت الأساس، جلبت الطوب والأسمنت، وأنت تحلم بغرفة لأولادك ومطبخ يفوح برائحة الخبز الطازج. فجأة، يأتي أحدهم من بعيد ويرمي كرة نارية فوق السياج، فتشتعل النار في سقفك، وتطير أحلامك مع الدخان.
هل ستكتفي بالشكوى من الكرة النارية فقط، أم ستسأل بسخط: لماذا أصبح بيتي ساحة لمعركة الجيران؟
هذا بالضبط ما يحدث في العراق اليوم.
منذ أكثر من شهر، تدور الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، والصواريخ تتطاير يميناً ويساراً. بعض الفصائل تطلق صواريخها من الأراضي العراقية باتجاه قواعد أمريكية، فيرد الطرف الآخر بضربات تطال معسكرات الحشد الشعبي ومناطق عراقية أخرى. والنتيجة ليست انتصاراً أو هزيمة، بل خسارة يومية يدفع ثمنها كل عراقي في جيبه، في كهربائه، في نفطه، وفي مستقبل أبنائه.
السؤال الذي يجب أن يطرحه كل عراقي اليوم بصراحة: من يدفع الثمن الحقيقي؟
الجواب بسيط وقاسٍ: أنت وأنا وأولادنا.
كل صاروخ يُطلق يؤجل تشكيل حكومة مستقرة، ويُبعد مشروع كهرباء جديداً، ويُغلق باب استثمار أجنبي كان يمكن أن يخلق آلاف فرص العمل. النفط الذي كان يجب أن يموّل رواتب المتقاعدين والموظفين، يذهب الآن لإصلاح أضرار تصفية حسابات إقليمية لا ناقة لنا فيها ولا جمل.
هذا ليس كلاماً نظرياً، بل واقعاً يعيشه الناس يومياً في مختلف المناطق. تعبنا من أن ندفع فاتورة حروب لا نملك فيها قراراً، ولا نستفيد من نتائجها.
آن الأوان أن نقول بصوت واحد:
حاربوا بأسمائكم، لا باسم العراق.
لا ندعو هنا إلى حياد سلبي يجعلنا ضعفاء، بل إلى سيادة حقيقية تجعل العراق صاحب القرار، وليس مجرد ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
الخسارة الحقيقية ليست في عدد الصواريخ التي تسقط، بل في عدد الفرص التي تطير. فرصة مشروع نفطي مشترك مع دول الخليج كان سيوظف عشرات الآلاف من الشباب، وفرصة شراكة أوروبية في الطاقة المتجددة كانت ستحل أزمة الكهرباء المزمنة، وفرص استثمار في البنية التحتية اختفت لأن أرضنا تحولت إلى ساحة رد واشتباك.
من يريد أن يحارب، فليحارب باسمه وبعلمه وبسلاحه الخاص. أما العراق فدولة واحدة، سلاحها واحد تحت راية الجيش الوطني، وقرارها واحد تحت قبة البرلمان.
دول كثيرة في التاريخ بنت نفسها بعد حروب مدمرة، لأنها اتخذت قراراً واضحاً: نحن نبني أولاً.
أنتم أذكياء بما يكفي لتعرفوا الحقيقة: من يبيع لكم "النصر" بالصواريخ لا يدفع فاتورة الكهرباء في بيتكم، ومن يعدكم بالهتافات لا يقف معكم في طابور الغاز.
نريد وحدة وطنية حقيقية تجمع السنة والشيعة والكرد تحت سقف واحد، وهي مصلحة العراق.
"نحن أمة".. ليس شعاراً للأنبار ولا للسنة، بل برنامج عمل وازدهار لكل العراقيين.
العراق ليس ساحة معركة لأحد.
العراق وطن يستحق أن نبنيه، لا أن نحرقه.