الديرة - الرمادي
هذا سؤال يمرّ في ذهن أي عراقي حين يجد لحظة صمت وسط ضجيج الواقع.
مؤخرا نُشرت دراسات تقول إن ما يتابعه الإنسان على هاتفه لا يبقى مجرد محتوى، بل يتحول تدريجياً إلى سلوك، ثم إلى قرار.
اي بمعنى ان الذاكرة الرقمية تصنع نسخة أخرى من الوعي.
قديماً قالوا: الإنسان ابن بيئته، أما اليوم فيمكن القول بجرأة أكبر: الإنسان ابن ما يتصفحه.
حين ترى سياسياً يخلط بين المصطلحات، أو يكرر عبارات مستهلكة بلا فهم، فأنت لا تكتشف فقط ضعف المعلومة، بل ترى امتداداً مباشراً لنوع المحتوى الذي يستهلكه، حتى وصلنا إلى مرحلة نسمع فيها عن سرقة الغيوم والأمطار، وعن تفسيرات جاهلة لكلمات فصيحة.
هناك من يعيش داخل الفيسبوك وتويتر أكثر مما يعيش داخل قاعة البرلمان، فيتحول الخطاب العام عنده إلى ردود فعل سريعة، لا إلى رؤية أو مشروع. وهنا يصبح الهاتف ليس أداة ، بل مرآة.
مرآة تكشف ما لا يُقال في الخطابات: هل هذا السياسي يقرأ ليبني؟ أم يتصفح ليكرر؟
هل يغذي عقله بالمعرفة، أم يغذيه بالضجيج؟
لأن ما تتابعه لا يمر دون أثر. هو يترك بصمته على طريقة تفكيرك، على ردّ فعلك، وعلى شكل قراراتك حتى لو كنت لا تنتبه.
ولهذا، لا يبدو غريباً أن تجد سياسياً ينجذب لخطاب شعبوي فارغ، أو آخر يميل إلى التحليل الهادئ والعقلاني.
فالذوق الفكري ليس صدفة، بل تراكم ما تستهلكه يومياً.
الموبايل فضح المحتوى الفارغ لما تتابع. فضح السياسي، كما فضح المواطن الذي يميل الى ذوق هذا السياسي، ولا فرق بينهم حتى لو أن الأول يملك قراراً يمسّ الآخرين، لكن الثاني يدفع ثمن ذلك القرار.
حين تنتهي من التمرير على الشاشة، لن تعرف فقط ماذا يتصفح السياسي بل قد تكتشف شيئًا أعمق: من أنت، حين تنتهي من قراءة هذا المقال وتذهب لتتصفح شيئاً آخر.