الديرة - الرمادي
أحياناً حين نستنكر أفعال الميليشيات في العراق، نُفاجأ بفئة تدافع عنها، لا حباً بها، بل كّرد فعل على ممارسات سابقة من بعض عناصر القوات الأمنية، تلك الممارسات التي تجلّت في تصرفات شرطي، أو رجل مرور، أو سيطرات عسكرية، حملت في طياتها قصصاً مؤلمة لمواطنين عاديين: إهانات، اعتداءات، ومخالفات تُسجل بغير وجه حق.
حين سقطت الموصل وبعض مناطق الأنبار، لم يكن السقوط كما يُروج نتاجاً أيديولوجياً أو مذهبياً بحتاً، بل كان نتيجة تراكم من فقدان الثقة. الأهالي الذين أنهكتهم الإهانات، تخلّوا عن المؤسسة العسكرية والامنية كان يُفترض بها أن تحميهم. وجدوا أنفسهم في مواجهة إرهابين اثنين: إرهاب تنظيم داعش، وإرهاب السلطة.
بل إن كثيراً من حوادث الخطف والتسليب التي شهدتها بغداد في سنوات سابقة، كانت تمّر بسلاسة غريبة دون عائق أمني حقيقي يُنقذ مواطناً أو يُعيد له حقه، فكيف لبلد أن يتغير إذا كان المواطن يُهان؟ وإذا كانت امرأة تخرج مطالبة بحقها تُوصم من قِبل رتبة كبيرة بأنها مخربة أو مدفوعة ؟
حين تتشابه سلوكيات بعض عناصر القوات الأمنية مع سلوكيات بعض الأحزاب والفصائل المسلحة، يصبح السؤال أكثر إيلاماً: كيف يمكن للمواطن أن يؤمن بمستقبل أفضل في العراق؟
لا يمكن إنكار وجود فئات عديدة وكبيرة داخل المؤسسة الأمنية تستحق الاحترام، لأنها التزمت بالقانون وتعاملت مع الناس بعدل ومهنية، بعيداً عن المزاج الشخصي، لكن الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح: إن جهد أي مسؤول مهما كان كبيراً، يمكن أن ينهار في لحظةٍ واحدة، إذا تعرض مواطن للإهانة.
فالشرطي في الشارع ليس مجرد فرد، بل هو صورة الدولة وصوتها ووجهها أمام الناس، وما يعكسه في سلوكه، إنما يُمثل بلدًا عانى طويلاً، وما زال يرزح تحت وطأة الظلم وازدواجية المعايير.