آخر الأخبار


جامعتكم منارة.. لا زنزانة!

  • A+
  • A-

 الديرة - الرمادي


في وقت يتسابق العالم إلى الذكاء الاصطناعي والابتكار والانفتاح المعرفي، قرر بعض طلاب الجامعة التكنولوجية في بغداد أن يعلنوا تمردهم على الأفكار. ليس على فساد إداري، ولا على سوء بنية تحتية، ولا حتى على انهيار جودة التعليم العالي في العراق، بل اعلنوا تمردهم كان على TEDx، وهي منصة عالمية لتبادل الأفكار، فوصفوها بالصهيونية والأمريكية وهاجموا الفعالية المرخصة داخل الحرم الجامعي. 

أولاً: الجريمة الكبرى حضور حدث فكري

بدلاً من أن ينظموا أنفسهم لمناقشة أزمة الكهرباء، أو البطالة بين الخريجين، أو ضعف البحث العلمي في جامعاتنا، قرر الطلاب الأبطال أن يصبحوا مقاومين بأسلوب المهاويل.

هل قرأ هؤلاء الطلاب يوماً محتوى TEDx حقاً؟ أم أن كلمة TED تكفي لإطلاق صفارة الإنذار الصهيوني في عقولهم؟ المنصة نفسها استضافت فعاليات في رام الله، ومتحدثين فلسطينيين، ونقاشات جريئة عن الصراع العربي الاسرائيلي.

ثانياً: الجامعة التكنولوجية أم الجامعة الإيديولوجية؟

اسم الجامعة التكنولوجية يوحي بالتقدم، بالعلوم، بالابتكار لكن ما حدث يعكس واقعاً مريراً، تحول جزء من الطلاب إلى ميليشيا فكرية تُحاكم الأفكار قبل أن تسمعها. بدلاً من أن تكون الجامعة فضاءً للنقاش والتحدي الفكري، أصبحت ساحة للتفتيش العقائدي. 

هؤلاء الطلاب لا يدركون أنهم يعيدون إنتاج نفس المنطق الذي دمر مجتمعات كثيرة: إما معنا أو ضدنا، إذا كان المتحدث لا يردد خطاب المقاومة المعتمد، فهو عميل. وإذا كانت الفعالية لا تحمل علم فصيل معين، فهي تطبيع. هكذا يصبح الجهل مقدساً، والانغلاق مقاومة، والتعصب وطنية.

ثالثاً: الخسارة ليست في إلغاء فعالية واحدة، الخسارة في رسالة واضحة أُرسلت للعالم، الجامعات العراقية ما زالت أسيرة الصراعات السياسية والطائفية، غير قادرة على استضافة حدث فكري بسيط دون أن يتحول إلى مواجهة.

كيف يتوقع هؤلاء الطلاب أن ينافسوا خريجي سنغافورة أو كوريا الجنوبية أو حتى الجامعات التركية، وهم يقضون طاقتهم في مطاردة الصهيونية الثقافية المتوهمة داخل قاعات محاضراتهم؟ العالم يتقدم بالأفكار والخوارزميات والابتكارات. أما نحن، فنغرق في الشعارات.

إذا كنتم تريدون مقاومة حقيقية، افتحوا الكتب، طوروا أنفسكم، واجعلوا جامعتكم منارة لا زنزانة. أما ما فعلتموه، فهو ليس إلا رقصة احتفالية على قبر التقدم العراقي، لكن بأسلوب ابو حبيب الصافي.