الديرة - الرمادي
عندما عاش العراقيون في سوريا بعد عام 2003، أدركوا مبكراً أن السوريين في حياتهم اليومية، لم يكونوا معنيين بالتراث الأموي كما يُتصّور في الخطابات المؤدلجة، لم نسمع آنذاك أحداً يرفع راية حمراء أو يتفاخر بيزيد أو معاوية، بل كان الجامع الأموي محطة لالتقاط الصور، يمر به الزائر كما يمر في سوق الحميدية، مكانًا سياحياً لا أكثر.
لكن بعد اندلاع الثورة السورية وفي زمن المخلوع بشار الأسد، ومع اتساع النفوذ الإيراني في دمشق وبقية المحافظات تغير المشهد. صار الزائر يرى سوريا كأنها شيء مُغتَصب، بلد فقد جزءاً من سيادته على ذاته، وانعكس ذلك في سلوكيات مستفزة، إذ بدأت بعض المجاميع تتجه إلى الجامع الأموي لتسب وتلعن على مرأى من الجميع.
وبغضّ النظر عن الأسماء التي طالتها تلك اللعنات، فإن المشكلة لم تكن في الرموز بقدر ما كانت في انتهاك حرمة المكان وغياب احترام تراث البلد، فالكبت الاجتماعي حين يتراكم، لا يُنتج إلا ردود فعل متطرّفة، وهكذا تحولت الكراهية بين السنّة والشيعة إلى واقع ملموس، تغذيه التجارب المشحونة والخطابات المنفلتة.
تخيّل أن تأتي زائراً إلى مقام السيدة زينب في بلد ليس بلدك، ثم تمضي إلى موقع آخر لتلعن ما يمثل جزءاً من تاريخ ذلك البلد!
أي تناقض هذا، وأي صورة تُرسم عنك أمام أهله؟
لهذا توترت العلاقة مع سوريا، لا بسبب الناس بقدر ما هو سبب الأيديولوجيا التي نمت على منابر لا تعرف سوى لغة الكراهية والتقسيم، والمشهد ذاته تكرر في المملكة العربية السعودية، حين انتشرت في فترة ما مقاطع تُسيء للبلد ورموزه، صادرة عن زوار عراقيين قدموا لأداء المناسك في المسجد الحرام، الأمر الذي دفع الجهات المختصة إلى التحذير من أي هتافات سياسية أو دينية داخل الحرم في رسالة واضحة: في بلدك قل ما تشاء، لكن حين تكون ضيفاً، تعلم كيف تحترم.
قد يتغير الواقع السياسي، وقد تتحسن الظروف المعيشية والاقتصادية، لكن ما لم تتغير هذه العقلية المذهبية، فلن يجد العراقي ترحيباً حقيقياً، ولن تنعكس صورته في أذهان الآخرين إلا بذلك النموذج المؤسف: شخص يسب ويلعن، ويختزل بلده بتاريخ من الانفعال بدل أن يقدمه كحضارة.