الديرة - الرمادي
تؤكد المعطيات المتاحة أن تدفقات مائية قادمة من تركيا في طريقها إلى العراق خلال الأسابيع المقبلة، نتيجة ذوبان كثيف للثلوج في مرتفعات الأناضول، بالتزامن مع بلوغ السدود التركية الكبرى أقصى طاقتها التخزينية.
طبقات متراكمة من الثلوج كأن الطبيعة تدخر للعراق ما لم تستطع السياسة أن تؤمنه.
ماذا يعني هذا على الأرض العراقية؟
الماء القادم ليس سائلاً أزرق فحسب، بل وريد جديد يُحقن في جسد أنهكه العطش.
في قرى ديالى وواسط وذي قار وميسان، يقف الفلاح على حافة حقل يابس، وقد تعود سماع الحصة المائية كما يسمع حكماً بالإعدام، تدفق المياه الآن يعني ري حقول الشلب، كي يستمر تدفق العنبر، وبقاء الذرة الصفراء، وارتواء بساتين النخيل، وألا يضطر مربو الجاموس في الأهوار لبيع قطعانهم، سيكون هذا التدفق مكسبا فوريا يلمسه الناس في معاشهم قبل تقارير الوزارات.
أبعد من الموسم الزراعي، تعاني سدود العراق الرئيسية من تدن خطير في مناسيبها، التدفقات القادمة تمثل فرصة لملء هذه السدود، أي خلق بطارية مائية تختزن الماء والطاقة للمستقبل، حين تدور توربينات سد الموصل بكامل طاقتها، يوفر الماء كهرباء يحتاجها العراق في ذروة الصيف.
وعلى امتداد الجنوب، ثمة جرح اسمه الأهوار، تحولت بالجفاف إلى مساحات ملغومة بالعواصف الترابية، تدفق المياه، إن أحسن العراق توجيهه، قادر على إعادة الطيور المهاجرة والجاموس والإنسان إلى هذه المسطحات المائية المهددة.
لكن الماء الآتي بغزارة ضيف ثقيل، إن لم تحسن استقباله قلب بيتك رأساً على عقب. المشكلة المزمنة في العراق ليست غياب الماء دائماً، بل إدارة وفرته حين تأتي، العراق يمتلك بنية تحتية تخزينية عمرها عقود، كمنخفضي الثرثار والحبانية المصممين لاستيعاب المياه، لكن هذه المنشآت بحاجة إلى صيانة وإدارة علمية تفتح البوابات وتغلقها في أوانها، العبقرية ليست في أن يصل الماء، بل في أن يُمسك به.
والتجربة علمتنا أن تركيا لا تفتح أو تقطع المياه عن العراق حبا به أو كرها، إنما تفتح وتغلق حسب حاجتها هي، ومصالحها الداخلية، وهذه هي معادلة القوة التي تمنحها الجغرافيا لدولة المنبع.
المياه القادمة تحمل تذكيراً، وربما إنذاراً، بأن الماء في هذا الجزء من العالم صار سلعة وسلاحاً ورسالة، عملياً، ستنعش هذه التدفقات الموسم الزراعي وترفع مناسيب السدود، لكن لا شيء سيتغير في معادلة العجز المائي العراقي ما بقيت إدارة الموارد مرهونة برد الفعل الموسمي بدل الفعل المؤسسي طويل المدى.