الديرة - الرمادي
في بلد صار فيه اختراع الألقاب السياسية فناً شعبياً راسخاً، وصناعة وطنية لا تحتاج إلى رأس مال سوى صبر لا ينفد وذاكرة حديدية، يقف العراقيون مجدداً أمام لحظة تكليف جديدة، ممسكين بألسنتهم المشحوذة كالسيف، لا ينقصهم سوى الجملة الأولى التي سيطلقها رئيس وزرائهم القادم كي تكتمل اللوحة.
ومنذ أن حط علي الزيدي رحاله على كرسي التكليف، والأسطوانة تدور بمهارة باتت تشبه التقليد الدستوري غير المكتوب، فالعراقيون الذين أتقنوا على مدار عقرين من الزمن فن "تلقيب" رؤسائهم، لا يتركون مناسبة كهذه تمر دون أن يسجلوا حضورهم الساخر بامتياز.
فمن "مارد القمقم" الذي ظهر ثم اختفى، إلى صاحب العبارة الخالدة "بعد ما ننطيها" التي باتت من كلاسيكيات الأدب السياسي العراقي، مروراً بـ"البعض" الغامض الذي لم يعرف يوماً من هو بالضبط، ووصولاً إلى "أبو العدس" و عن
"الو عماد"، ثم "أبو الجسور"، أعطى كل رئيس وزراء للشعب هدية لم يطلبها، جملة أو موقفاً أو وجهاً، فرد الشعب الجميل بلقب لا ينسى.
اليوم، يقف الزيدي في مفترق الطرق الأول، وهو لم ينطق بعد بالكثير، غير أن كاميرات لحظة التكليف كانت أسرع منه، إذ رصدت يده تمسك بمسبحة، وهو مشهد بدا للكثيرين كافياً لفتح باب التخمين على مصراعيه حول اللقب القادم، فيما لم يتأخر المتحمسون على الشاشات عن تقديم خدماتهم المجانية، مطلقين عليه بكل سخاء ألقاباً فريدة منها "ابن سوك" و"ابن خير" و"أبو الخبزة"، في سبق صحفي لافت لرجل لم يقل شيئاً بعد.
والعراقيون في انتظار صبور، يعلمون من التجربة أن الخطاب الأول بعد نيل الثقة البرلمانية هو "أم المعارك"، وأن كل وعد سيطلق سيكون مادة دسمة لسنوات من التندر، فـ"لكل حادث حديث"، كما يقولون.
وبالتزامن مع هذا الانتظار الشعبي، أعلن رئيس البرلمان هيبت الحلبوسي بعد رفع جلسة مجلس النواب أمس الأربعاء، أن الرئيس المكلف سيرسل برنامجه الحكومي بحد أقصاه اليوم الخميس، فيما عقد المجلس السياسي الوطني اجتماعاً مغلقاً أمس، حضره الحلبوسي، زعيم حزب تقدم، إلى جانب رئيس مجلس النواب هيبت الحلبوسي وقادة الأحزاب والتحالفات السياسية المنضوية تحت عباءته، في جلسةٍ أُعلن فيها بكل رسمية عن:
🔶 مناقشة ملفات "مهمة" لم يكشف عن تفاصيلها، لأن التفاصيل في العراق عادةً ما تظل سراً محفوظاً.
🔶 التأكيد على "تعزيز التنسيق والتعاون"، وهي عبارة بات العراقيون يحفظونها عن ظهر قلب في كل بيان سياسي منذ عشرين عاماً.
🔶 "توحيد المواقف" في مواجهة التحديات، رغم أن طبيعة هذه التحديات ظلّت في حدود ما أُعلن، غامضةً كالعادة.