الديرة - الرمادي
على امتداد البصر، حيث يمتد ظل الأنبار نحو أقاصي الغرب، تنام ملايين الدونمات في صمت ثقيل. ليست أرضاً ميتة، بل طاقة مؤجلة، سهول واسعة تنتظر قراراً بسيطاً كي تتحول من العطش إلى الخضرة. هناك، حبث يخترق الفرات المحافظة كأنه يختبر الأرض ثم يمضي، فيما تمتد على جانبيه مساحات قابلة للزراعة تتجاوز المليوني دونم ونصف المليون، جاهزة تقنياً للدخول في الإنتاج لو فُتحت لها شبكات الري المحوري.
المسألة ليست حلماً ولا طموحاً إنشائياً؛ إنها معادلة إنتاجية واضحة. إدخال هذه المساحات في دورة زراعية حديثة يعني تغيير بنية الاقتصاد الزراعي في العراق، لا تحسينه فقط. أنابيب الري ليست تفاصيل تقنية، بل مفاتيح تحويل الصحراء إلى إنتاج.
لو زُرعت هذه الأرض بالقمح وحده، فإنها قادرة على إنتاج ما يقارب من مليون ومئتي ألف طن في الموسم الواحد، ويمكن مضاعفة الرقم عند إدخال محاصيل الأعلاف والدورات الصيفية المنظمة. هنا لا نتحدث عن زراعة فقط، بل عن منظومة أمن غذائي كاملة.
الأثر لا يتوقف عند الحقل. هذا المشروع يعني تشغيل أكثر من مئة ألف عامل بشكل مباشر وغير مباشر: مهندسون زراعيون، مشغلو مكائن، سائقو معدات، عمال حصاد، ومربو ثروة حيوانية يعتمدون على الأعلاف. إنها إعادة توزيع للحياة من المدن المكتظة إلى قرى كانت قد خرجت من الخريطة.
اقتصادياً، نحن أمام تقليص مباشر لفاتورة استيراد بمليارات الدولارات، وتحويل جزء من العجز الغذائي إلى فائض إنتاج. ومع الوقت، يتحول العراق من مستورد دائم للقمح والأعلاف إلى لاعب قابل للتصدير.
وتزداد الصورة وضوحاً حين نقترب من منفذ الوليد الحدودي. هذا المنفذ ليس مجرد نقطة عبور، بل بوابة اقتصادية قادرة على ربط الإنتاج الزراعي مباشرة بأسواق الأردن ثم الخليج والشام، عبر نقل بري منخفض الكلفة وسريع الدوران. هناك، يمكن أن تتحرك الفوائض الزراعية كما تتحرك السلع في اقتصاد طبيعي لا يعترف بالهدر، وهذا ما يضعه الرئيس محمد الحلبوسي ضمن أولويات أجندته، ويتعامل معه محافظ الأنبار عمر الدبوس بوصفه هدفا استراتيجيا.