الديرة - الرمادي
منذ عام 2003 تراجعت ثقافة الرحلات المدرسية في عموم العراق حتى كادت تختفي. في تسعينيات القرن الماضي، كانت المدارس تضع ضمن خططها السنوية سفرتين على الأقل للطلبة، تتنوع بين زيارة الحبانية، أو القبة الفلكية، أو جزيرة بغداد السياحية. لم تكن تلك الرحلات مجرد ترفيه، بل نافذة يطل منها الطالب على بلده، ويتعّرف من خلالها على جغرافيته وتاريخه.
أما اليوم فالطالب محاصر بين استنزاف وقته على الهاتف المحمول، أو الجلوس في صالات الألعاب، أو الانشغال بشبكات الإنترنت والمقاهي. جيل كامل لا يعرف من معالم بلده سوى المولات في العاصمة، أو ما تختصره حدود محافظته. لذلك، عندما يُسأل الطالب اليوم: ماذا تعرف عن الحبانية؟ قد يجيب بأنها مجرد قاعدة عسكرية، وحين تذكر له هيت، يراها فقط منطقة في الأنبار، وربما لم يسمع أصلًا بالقبة الفلكية.
في مدارس أوروبا، لا تُعد الرحلات المدرسية نشاطاً ترفيهياً فحسب، بل هي وسيلة لتجديد الإحساس بالمواطنة وتحرير الفكر. يتعلّم الطالب أن وطنه أوسع مما تراه عيناه يومياً، وأن هويته لا تُختزل في حيه أو مدينته.
إن غياب هذه الثقافة في العراق خلق نوعاً من الانغلاق، حتى بات بعض أبناء هذا الجيل لم يزر الأنبار في حياته، ولا ذهب إلى ديالى أو النجف أو الموصل، ولم ير كربلاء والناصرية والبصرة. وهذا التقييد يصنع تحزّباً فكرياً خطيراً، يختزل الوطن بما تراه العين فقط.
اليوم تعود بعض هذه المناطق لتنهض من جديد. فالحبانية ما زالت قائمة، ومدينة هيت تستعيد حضورها كوجهة نهرية وثقافية، خصوصاً بعد إحياء النواعير التي تمتد جذورها لآلاف السنين، إلى جانب إبراز معالمها كمنارة هيت، والعيون الكبريتية، والمتحف المحلي. كما أن منطقة البغدادي تضم منتجعات مميزة تجعلها خياراً مناسباً للرحلات المدرسية.
إن إعادة إحياء الرحلات المدرسية لم تعد رفاهية، بل ضرورة تربوية وثقافية. وعلى وزير التربية القادم أن يعيد هذا الملف إلى الواجهة، لأن الطالب بحاجة أن يرى وطنه بعينيه، لا أن يختصره بما يحيط به فقط.